ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله: (( ما جادلت أحدا إلا وأحببت أن يظهر الله الحق على لسانه ) )
وهذه ذروة العفة والكمال في العلم ، وأدب البحث والمناظرة ، وهذا الإيثار ، والسمو ، هما اللذان جعلا علماء أمتنا في الماضي كالجسد الواحد ، كل منهم يثني على صاحبه ، ويجلُّه ، ويحترمه ، مع مخالفته له في الرأي ، ومباعدته له في المنهج.
ودارت الأيام دورتها ، وتلاشت آثار هذه العظمة العلمية ، بذهاب العلماء الأثبات ، وفُشُوِّ الجهل ، وانتشار الأنانية ، وحب الظهور والاستعلاء ، وتكلُّمِ العامةِ والمتفيهقين ، بِكلامِ العلماء .
وصار الواحد منهم إذا تكلم لا يتكلم لإظهار الحق ، بقدر ما يتكلم ليقول للناس: أيها الناس إنني أتكلم ، وعليكم السمع والطاعة .
لا يتكلم لتوصيل العلم ونشره ، وإنما يتكلم لإرواء غريزته في الأنانية ، ونشر جهله على البشر ، وهو في غالب الأحيان لا يدري أنه جاهل ، ورغم هذا لا يجوز لأحد أن يخالفه أو ينظر في كلامه.
وبهذا سادت الأنانية ، وانتشرت الأحقاد ، وظهر في صف الأمة التدابر ، والتقاطع ، والتحاسد ، وصار العلم سبباً للقطيعة بدلاً من أن يكون سر التواصل والتراحم ، على ما كان عليه سلفنا العظيم ، إذ كانوا يقولون: العلم رحمٌ بين أهله .
لقد دخلت أحد المجالس ، فوجدت شاباً حدثاً قد تصدر المجلس ، وحوله عدد من الشباب يصغون إليه في شغف وذهول ، وكان يحدثهم في مسألة فرعية حسمت مادتها بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ أجمعوا على جواز الخلاف فيها ، وهي مسألة نقض الوضوء بلمس الرجل امرأة من غير حائل .