فقلت له: أرجو منك أن تذكر لي مثالاً واحد من هذه الأمثلة الكثيرة ، حتى نكون على تعيين مما ذكرت ، ولا نقذف علماء الأمة في أعظم علومهم الشرعية ، بما ينفر منهم ، ويدعو إلى الابتعاد عنهم ، وإلاَّ فكلامك كلام عاطفي غير صحيح ، لأنك تتكلم في زعمك عن أمر واقع ، فلا بد له من مثال واقع ، وإلاَّ قلت لك: إن كلامك خاطئ ، وكلامهم صواب ، وليست تخطئتك لهم بأولى من تصويبي لهم ، إذ كل منا يتكلم عن عاطفة وانفعال لا عن حقيقة ودافع .
فقال: مثال ذلك قاعدة من قواعدهم الأصولية ، في مباحث الأمر ، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء ، هل هو أمر بذلك الشيء أم لا....؟
وهذه قاعدة فلسفية لا فائدة منها ، فذكرها في كتب الأصول تضيع للوقت ، وإقحام لنا في مباحث فلسفية نحن بغنى عنها .
فقلت له: أولاً ؛ وقبل كل شيء يجب على السائل إن كان يريد أن يسأل ليتعلم أن يكون أديباً في سؤاله ، بعيداً عن الهجوم والتجريح قبل أن يتبين له وجه الحق من الباطل ، والخطأ من الصواب ، حتى يجعل المسئول قادراً على الإجابة وهو مشروح الصدر ، مطمئن القلب ، وإلا فإنك بمثل هذا الهجوم الذي ينم عن التضجر والتذمر ، بل الحقد أحياناً ، إنك بمثل هذا تفرض على من تسأله أن يقف منك موقف الند المخاصم ، لا موقف المعلم المجيب ، وشتان بين الموقفين ، مما يعكس أكبر الضرر على طبيعة الجواب .
وإن مما تعلمناه من أدب السؤال أن يطرح السائل سؤاله برفق ، وفي ظرف يناسب الأستاذ ، وأن يظهر الرغبة في معرفة الجواب ، كما يظهر التواضع والاحترام والتوقير لمن يسأله ،"فليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويوقر كبيرنا ، ويعطي عالمنا حقه".
وثانياً: أرجو منك ومن غيرك حينما يطرح السؤال ، أو الموضوع للبحث أن لا يفترض مسبقاً صحة ما يذهب إليه ، وبطلان ما يخالفه ، وإلاَّ لم يعد في هذه الحالة سائلاً ، ولا باحثاً ، وإنما صار في هذه الحالة مقرراً ومحاضراً ، ولم يعد في هذه الحالة بحاجة إلى جواب .