و {من} تبعيضية على معنى: وبعض تراب الجبال جُدَد ، ففي الجبل الواحد توجد جُدد مختلفة ، وقد يكون بعض الجُدَد بعضها في بعض الجبال وبعض آخر في بعض آخر.
و {جُدَد} : جمع جُدّة بضم الجيم ، وهي الطريقة والخطة في الشيء تكون واضحة فيه.
يقال للخطة السوداء التي على ظهر الحمار جُدّة ، وللظبي جدّتان مسكيّتا اللون تفصلان بين لوني ظهره وبطنه ، والجدد البيض التي في الجبال هي ما كانت صخوراً بيضاء مثل المروة ، أو كانت تقرب من البياض فإن من التراب ما يصير في لون الأصهب فيقال: تراب أبيض ، ولا يعنون أنه أبيض كالجير والجص بل يعنون أنه مخالف لغالب ألوان التراب ، والجُدَد الحُمر هي ذات الحجارة الحمراء في الجبال.
و {غرابيبُ} جمع غربيب ، والغربيبُ: اسم للشيء الأسود الحالك سواده ، ولا تعرف له مادة مشتق هو منها ، وأحسب أنه مأخوذ من الجامد ، وهو الغراب لشهرة الغراب بالسواد.
{وسود} جمع أسود وهو الذي لونه السواد.
فالغربيب يدل على أشد من معنى أسود ، فكان مقتضى الظاهر أن يكون {غرابيب} متأخراً عن {سود} لأن الغالب أنهم يقولون: أسود غربيب ، كما يقولون: أبيض يقق وأصفر فاقع وأحمر قان ، ولا يقولون: غربيب أسود وإنما خولف ذلك للرعاية على الفواصل المبنية على الواو والياء الساكنتين ابتداءً من قوله: {واللَّه هو الغني الحميد} [فاطر: 15] ، على أن في دعوى أن يكون غربيباً تابعاً لأسود نظراً والآية تؤيد هذا النظر ، ودعوى كون {غرابيب} صفة لمحذوف يدل عليه {سود} تكلف واضح ، وكذلك دعوى الفراء: أن الكلام على التقديم والتأخير ، وغرض التوكيد حاصل على كل حال.
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)