وبقوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12] يشير إلى القلب وسيره إلى عالم الروح وسرعته في السير للطافته بالنسبة إلى كثافة النفس وإبطائها في السير، وذلك لأن مركب النفس في سير البدن وهو كبير بطئ السير ومركب القلب في السير هو الجذبة الإلهية وهي من صفات لطفه، كما قال صلى الله عليه وسلم:"قلوب العباد بيد الله يقلبها كيف يشاء"ويقلبها إلى الحضرة برياح العناية اللطف كما قال صلى الله عليه وسلم:"قلب المؤمن كريشة في فلاة يقلبها ظهرا عن بطن"وهذا حقيقة قوله {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} أي: لسليمان القالب سخرنا ريح العناية ليسير به وهو ابن داود الروح وبساطة الذي كان يجلسه وتجري به الريح هو السر، ولهذا المعنى قيل: أن سليمان في مسيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه، فقال سليمان للريح استو، فقالت الريح: استو أنت ما دمت مستوياً بقلبك كنت مستويا فملت وملت كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] .
وبقوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} [سبأ: 12] يشير إلى عين الحقائق والمعاني {وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [سبأ: 12] أي: وسخرنا له صفات الشيطان ليعمل بين يديه بإذن الله أي على وفق أمره ونهيه بطبيعته الشيطانية ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم:
"إن الله سلطني على شيطاني فأسلم على يدي فلا يأمرني إلا بخير".
{وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} [سبأ: 12] أي: سعير المحبة وعذابها ان نار المحبة تحرق شوكها ونور المحبة يعني ظلمة خبثها وتمردها.