{يَعْمَلُونَ لَهُ} [سبأ: 13] أي: لسليمان القلب {مَا يَشَآءُ} أي: يتصفون بصفات القلب ويكون أعمالهم على وفق مشيئته لا على وفق طبيعتهم ومشيئتهم {مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} أي: مما يتوجه به إلى الله فإن الله تعالى اختص للشيطان بهذه الصفة من بين سائر المخلوقات أعني التوجه إلى الله والسجود له والإباء والاستكبار عن سجدة غيره، وهذا أخلص عبودية لله وأخص وصف وأشرفه في الموجودات إذا كان بإذن الله وأردى خصلة وأخس وصف وأخثبه إذا كان بالطبيعة وخلاف أمر الله وموجباً للطرد واللعن.
كما كان حال إبليس إذ قال تعالى له: {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} [ص: 75] إذ أمرتك {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} [ص: 76] والنار من شأنها طلب العلو والتوجه إلى الحضرة {وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 76] ومن شأنه طلب السفلي والإعراض عن الحضرة فالله تبارك وتعالى لما خمر طينة آدم بيده عجن فيها كل خاصية وصفة ما اختص بها شيئا من المخلوقات ليكون آدم عالما بجميع الأشياء بتلك الخصائص ليقدر على التصرف فيها بخلافة الحق تعالى وليتوسل بها في الرجوع الذي هو مخصوص به إلى الحضرة والوصول إليه فبخاصية الإباء والاستكبار الشيطاني امتنع وأبى عن السجود لغير الله وبها يتوجه القلب إلى الله بإعراضه عن غيره ويقول {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] يعني الذين أشركوا بتوجههم إلى الدنيا أو إلى الآخرة {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] .