{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا} [الروم: 7] فيه إشارة إلى حال المحجوبين ووقوفهم على ظواهر الأشياء ، وما من شيء إلا له ظاهر وهو ما تدكره الحواس الظاهرة منه ، وباطن وهو ما تدركه العقل بإحدى طريق الإدراك من وجوه الحكمة فيه ، ومنه ما هو وراء طور العقل وهو ما يحصل بواسطة الفيض الإلهي وتهذيب النفس أتم تهذيب وهو وإن لم يكن من مستنبطات العقل إلا أن العقل يقبله ، وليس معنى أنه ما وراء طور العقل أن العقل يحيله ولا يقبله كما يتوهم ، ومما ذكرنا يعلم أن الباطن لا يجب أن يتوصل إليه بالظاهر بل قد يحصل لا بواسطته وذلك أعلى قدراً من حصوله بها ، فقول من يقول: إنه لا يمكن الوصول إلى الباطن إلا بالعبور على الظاهر لا يخلو عن بحث {فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [الروم: 5 1] أي يسرون بالسماع في روضة الشهود وذلك غذاء أرواحهم ونعيمها ، وأعلى أنواع السماع في هذه النشأة عند السادة الصوفية ما يكون من الحضرة الإلهية بالأرواح القدسية والأسماع الملكوتية ، وهذه الأسماع لم يفارقها سماع {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ} [الأعراف: 2 17] واشتهر عندهم السماع في سماع الأصوات الحسنة وسماع الأشباه المحركة لما غلب عليهم من الأحوال من الخوف والرجاء والحب والتعظيم وذلك كسماع القرآن والوعظ والدف والشبابة والأوتار والمزمار والحداء والنشيد وفي ذلك الممدوح والمذموم.