وَمِنْ آياتِهِ التي تدلّ على وجوده، وكمال قدرته أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ أي يرسلها للبشارة بالغيث وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ أي ولإذاقتكم الرحمة، وهي نزول المطر، وحصول الخصب الذي يتبعه، والروح الذي يرافق هبوب الريح وزكاء الأرض وغير ذلك وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ في البحر عند هبوبها بِأَمْرِهِ أي بتدبيره أو بتكوينه وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي بتجارة البحر والسير من إقليم لإقليم وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي ولتشكروا نعمة الله فيها.
كلمة في السياق:
يلاحظ أن المقطع الأول ذكر مجموعة من الآيات كلها مبدوء بقوله تعالى:
وَمِنْ آياتِهِ ... وهاهنا وجدت آية واحدة مبدوءة بقوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ ... فكلّ من المقطعين يدلّل على الله في سياقه. والآن فلنتساءل ما محلّ هذه الآية في السياق القريب؟
إن التدليل على وجود الله عزّ وجل، وعلى كمال قدرته، في سياق الكلام عن الله واليوم الآخر، سنّة مطردة في هذا القرآن، ولكن هذه الآية جاءت هنا بعد الأمر فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ... مما يشير إلى أنّ الآية تحقّق أكثر من غرض فكما أنها دلّلت على الله لتأكيد مجيء اليوم الآخر، فقد جاءت في سياقها لتشير إلى أنّ إقامة الوجه لدين الله يقتضيه الشكر لله على نعمه، التي منها ما تحدثت عنه الآية،
ولذلك فقد ختمت الآية بقوله تعالى: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وهكذا نفهم من مجموع السورة: أن التوحيد يقتضي إقامة الوجه لدين الله، وأن اليوم الآخر يقتضي إقامة الوجه لدين الله، وأن الشكر لله يقتضي إقامة الوجه لدين الله. وبهذا عرفنا محل الآية في السياق القريب للسورة، ومحلها في سياق السورة العام. فلنر الآية الأخيرة في المقطع الثاني.