وهو يواجههم بواقع أمرهم وحقائق حالهم التي لا يملكون أن يماروا في أن الله وحده هو موجدها ؛ أو التي لا يملكون أن يزعموا أن لآلهتهم المدعاة مشاركة فيها. يواجههم بأن الله هو الذي خلقهم. وأنه هو الذي رزقهم. وأنه هو يميتهم. وأنه هو يحييهم. فأما الخلق فهم يقرون به. وأما الرزق فهم لا يملكون أن يزعموا أن آلهتهم المدعاة ترزقهم شيئاً. وأما الإماتة فلا حجة لهم على غير ما يقرره القرآن فيها. بقي الإحياء وكانوا يمارون في وقوعه. وهو يسوقه إليهم ضمن هذه المسلمات ليقرره في وجدانهم بهذه الوسيلة الفريدة ، التي تخاطب فطرتهم من وراء الانحراف الذي أصابهم. وما تملك الفطرة أن تنكر أمر البعث والإعادة.
ثم يسألهم: {هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء؟} ولا ينتظر جواباً منهم ، فهو سؤال للنفي في صورة التقريع غير محتاج إلى جواب! إنما يعقب عليه بتنزيه الله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} .
ثم يكشف لهم عن ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها بأعمال الناس وكسبهم ؛ وأن فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد ، ويملؤها براً وبحراً بهذا الفساد ، ويجعله مسيطراً على أقدارها ، غالباً عليها:
{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} ...
فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه لا يتم عبثاً ، ولا يقع مصادفة ؛ إنما هو تدبير الله وسنته.. {ليذيقهم بعض الذي عملوا} من الشر والفساد ، حينما يكتوون بناره ، ويتألمون لما يصيبهم منه: {لعلهم يرجعون} فيعزمون على مقاومة الفساد ، ويرجعون إلى الله وإلى العمل الصالح وإلى المنهج القويم.
ويحذرهم في نهاية هذه الجولة أن يصيبهم ما أصاب المشركين قبلهم ، وهم يعرفون عاقبة الكثيرين منهم ، ويرونها في آثارهم حين يسيرون في الأرض ، ويمرون بهذه الآثار في الطريق:
{قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين} .