وأنت تعلم أن أدلة القرآن لا يلزم فيها الترتيب الذي وضعه المنطقيون فذلك صناعة أغنى الله تعالى العرب عنها ، وما ذكر من أنجملة خير اسماً للاهتمام هو ما اختاره غير واحد ، وجوز الطيبي أن يكون تقديمه وجعله اسماً من باب اقللب للمبالغة ، والظاهر أن أل في القوى الأمين للجنس فيندرج موسى عليه السلام وهو وجه الاستدلال.
وذكر الاستئجار بلفظ مع أن الظاهر ذكره بلفظ المضارع للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.
وجوز الطيبي أن يكون المراد بالقوي الأمين موسى عليه السلام فكأنها قالت: إن خير من استأجرت موسى ، والأول أولى.
ثم إن كلامها هذا كلام حكيم جامع لا يزاد عليه لأنه إذا اجتمعت الخصلتان أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك.
وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول: استأجره لقوته وأمانته ، ولعمري أن مثل هذا المدح من المرأة للرجل أجمل من المدح الخاص وأبقى للحشمة وخصوصاً إن كانت فهمت أن غرض أبيها أن يزوجها منه ، ومعرفتها قوته عليه السلام لما رأت من دفعه الناس عن الماء وحده حتى سقى لهما ، ومعرفتها أمانته من عدم تعرضه لها قبيح مّا مع وحدتها وضعفها.
وروى أنها لما قالت ما قالت قال لها أبوها: ما أعلمك بقوته؟ فذكرت له أنه عليه السلام أقل صخرة على البئر لا يقلها كذا وكذا وقد مر في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه لا يطيق رفعها إلا عشرة رجال ، والنقل في عدد من يقلها مضطرب فأقل ما قالوا فيه سبعة وأكثره مائة ، وقد مر ما يعلم منه حال الخبر في أصل الإقلال ، وذكرت أنه نزع وحده بدلولاً ينزع بها إلا أربعون.