وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى، آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي ولما اكتملت قواه الجسدية والعقلية آتيناه الحكمة والعلم وفقه الدين وعلم الشريعة، ومثل ذلك الذي فعلنا بموسى وأمه نجزي المحسنين على إحسانهم. وقد رجح الرازي أن المراد بالحكم هنا الحكمة والعلم، لا النبوة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -قد يطلق الوحي على الإلهام لأن الوحي لا يكون إلا لنبي، وقد أجمع العلماء على أن أم موسى وأم عيسى لم تكن واحدة منهما نبية، وإنما ذلك من قبيل الإلهام، كإلهام النحل اتخاذ البيوت.
وقد ألهم الله أم موسى بعد ولادته أن ترضعه، فإذا خافت عليه من القتل ألقته في البحر، دون خوف عليه من الغرق ولا حزن على فراقه، فإن الله تكفل برده إليها وبجعله من الأنبياء المرسلين إلى أهل مصر.
2 -قد يقصد الإنسان شيئا ويحدث شيء آخر، فإن أهل فرعون التقطوا موسى الصغير ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا، ولله في خلقه شؤون.
3 -كان إنقاذ موسى من البحر سببا في إسعاد الناس برسالته وإنزال التوراة عليه، وهداية آسية امرأة فرعون إلى الإيمان بالله تعالى، بعد أن أقنعت زوجها فرعون بإبقائه وعدم قتله رجاء أن يكون مصدر نفع لهم أو أن يتبنوه، علما بأنها كانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وكان فرعون لما رأى الرؤيا وقصها على كهنته وعلمائه، قالوا له: إن غلاما من بني إسرائيل يفسد ملكك فأخذ بني إسرائيل بذبح الأطفال، فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد يذبح عاما ويستحيي عاما، فولد هارون في عام الاستحياء (إبقاء الأولاد) وولد موسى في عام الذبح. يروى أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر، فأمرت بسوقه إليها وفتحه، فرأت فيه صبيا صغيرا، فرحمته وأحبته، فقالت لفرعون: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ.
4 -لا يشعر الناس بتدبير الله وتخطيطه، وقد تكرر ذلك المعنى في الآيات فقال تعالى: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [9] أي وهم لا يشعرون أن هلاكهم بسببه، ثم كرر تعالى ذلك في الآية [11] ثم قال: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.