ومثل ذلك يُقال حين استشار فرعون قومه بشأن موسىعليه السلام بعد أن أحس فرعون بالخطر على عرشه، يقول تعالى حكاية لقول فرعون:''قال للملأ حوله إنّ هذا لساحر عليم، يريد أن يُخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون''، ففي تلك اللحظة يفطنون لشعوبهم، يقول سيد قطب رحمه الله: (وتلك شنشنة الطغاة حينما يحسّون أن الأرض تتزلزل تحت أقدامهم. عندئذ يلينون في القول بعد التجبر ويلجأون إلى الشعوب وقد كانوا يدوسونها بالأقدام. ويتظاهرون بالشورى باللأمر وهم كانوا يستدبون بالهوى: ذلك إلى أن يتجاوزوا منطقة الخطر، ثمّ إذا هم هم جبارة مستبدون ظالمون!) .فتلك مشورة للمناورة تقتضيها الظروف الصعبة والخطيرة، حتى إذا مرّت العاصفة عادوا كما كانوا.
بسبب الاستبداد كان مطلب موسى عليه السلام إطلاق بني إسرائيل
ولا عجب أن يكون مطلب موسى عليه السلام الأول والأوحد هو إطلاق بني إسرائيل، حيث يقول تعالى حكاية لقوله:''قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل''. (أي أطلقهم من أسرك وقهرك وعذابك ودعهم وعبادة ربهم) .فهي - إذن - رسالة مفادها التحرر من الاستبداد الذي كان مسيطرا في ظلّ شخصية فرعون، وهذا هو جوهر رسالتنا الإسلامية، فهي تهدف لتحرير الإنسان
في كلّ الأرض من أن يكون عبدا لشهواته ونزواته .. أو أن يكون أسيرا لتصورات ومعتقدات باطلة وملوثة، فهي تحرير للإنسان من داخل نفسه، ثمّ إزالة العقبات الخارجية المادية والمعنوية والتي تمنعه من الإنطلاق، وتعطِّل حركته في الحياة.
إنّ النّظام الاستبدادي له عيوب وعورات كثيرة نُجملها بما يلي:
العيب الأول: أنّ الاستبداد وإكراه النّاس يقتل روح الإبداع في المجتمع، وهو سبب من أسباب تخلف البلاد الإسلامية في هذه الأيام، ومنبع الأزمات التي نعيشها في بلادنا ويعيشها العالم أجمع، فكثير من مظاهر التخلف والتفتت والتأزم ترجع لهذا السبب. كما يرجع إلى الاستبداد الإحتقان في العلاقات بين الحاكم والمحكوم، وانعدام الثقة فيما بينهما. ممّا أدى إلى انتشار الأجهزة البوليسية والمخابرات وغيرها من أجهزة التنصت على النّاس.