والطغيان يُفسد العلاقة بين الطاغية والجماهير فهو ينهب خيراتهم وأموالهم ثمّ يُسيء التصرف بها، ويمنعهم من حرية التعبير والمشاركة، فتنعدم مشاعر الإنتماء للدولة، وتصبح الجماهير مستعدة لفعل كلّ شيء تصل إليه أيديها ما دامت آمنة من الملاحقة والمراقبة والقانون؛ فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم - في ظل الطاغوت - مشحونة بالحقد والكراهية، تدور بين كيد الطاغية وتدبيره وبين ردّ الجماهير على هذا الكيد والتدبير، فكلّ طرف يتربص بالطرف الآخر.
إنّ النّاس في ظلّ شخصيته الطاغية أصفار لا وزن لهم ولا قيمة، حيث لا يوجد متسع للحشائش الصغيرة في ظلّ الأشجار الكبيرة، فلا نور ولا هواء، فيبقى النّاس في الهامش وتسلط الأضواء على صاحب الجلالة! فهو الحكمة والشجاعة والكرم ... وهو الملهم الذي جاد به الزمن! فلولاه لما كان الرخاء والعلم ولجاع الناس وفسدت الأرض! ولولاه لأصبح النّاس أيتاما لا راعي لهم ... إنّه إله سواء نطق بها كما فعل فرعون أم لم ينطق بها كما هو حاصل اليوم!
ولأنّ الطاغية فاسد في جوهره ليس عنده شيء وليس هو على شيء، ويعيش حالة نفسية فقيرة خاوية من المعاني التي تُرضي الإنسان وتُقنعه بمبرر وجوده، فهو يعيش عقدة الصِّغر في ذاته مناقضا لما يُظهره للنّاس من الانتفاش، وبسبب هذا الواقع المرّ نراه يحقد على كلّ من يرى فيه قدرة على استمالة الجماهير والفوز بثقتها، وبهذا نفهم المحاولات الضخمة من أجل إقصاء الجماعة المسلمة عن الحياة السياسية، بل وعزلها ما أمكن عن حياة النّاس، لما تتمتع به من مميزات تجعلها أمل الجماهير. بينما يعيش الطاغوت أسير المخاوف والعقد النفسية؛ ذلك أنّ الطاغوت لا يستمد شرعيته من الإرادة الحرة للجماهير، فهو يحكمهم بالقسر والقهر، ولذلك يبقى الطاغية متخوفا متوجسا لأنّه يُدرك تلك الحقيقة.
المبحث الرابع
الظلم
(الظلم: وضع الشيء في غير موضعه) ، (وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحد ... والظلم الميل عن القصد) .والظلم بكل معانيه وصوره ملازم لفرعون كالظّل، وهو من خصائص شخصيته التي بيّنها القرآن الكريم، لأنّ تلك الشخصية وضعت نفسها في غير موضعها بدعواها للربوبية