{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} أجمع العلماء على أن"أم موسى"لم تكن نبية،"فالوحي"المسند إليها هنا وحي إلهام، لا وحي إعلام، والمراد"باليمِّ"هنا وادي النيل الذي يخترق أرض مصر {وَلَا تَخَافِي} أي لا تخافي من غرقه وضياعه، ولا تخافي من أن يلتقطه من آل فرعون من يقتله {وَلَا تَحْزَنِي} أي لا تحزني لمفارقتك إياه.
{إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} هذا وعد صادق من الله لأم موسى، يهدئ روعها، ويطمئن قلبها، ويبشرها بحياته وجعله رسولا {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} قال أبو حيان:"استفصح الأصمعي امرأة من العرب أنشدته شعرا فقالت له: أبعد قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فصاحة؟ وقد جمع بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين".
{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} هذا مظهر من مظاهر العناية الإلهية، فقد سخر الحق سبحانه وتعالى وهو اللطيف الخبير لإنقاذ موسى من الغرق والقتل أعدى أعاديه من آل فرعون، فالتقطوه للتربية والتبني، ولو عرفوا سوء العاقبة الذي ينتظرهم على يده لاعتبروه أخطر عدو، وقضوا عليه في المهد، لكن الله تعالى الذي قدر الانتقام من طغيانهم وفسادهم، وكفرهم وعنادهم، على يد نبيه موسى، أعمى منهم البصائر والأبصار، لتنفذ فيهم عند حلول الأجل سهام الأقدار، والحزن بفتح الحاء والزاي على لغة قريش هو الحزن عند بقية العرب.