{وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ} (44) [القصص: 44] إلى {وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (46) [القصص: 46] هذا استدلال على صدق محمد - عليه الصلاة والسّلام - وتقريره كما سبق في {ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} (44) [آل عمران: 44] أي أنت لم تشهد موسى حين أوحينا إليه، ولا كتبت ولا دارست ولا أخبرت/ [154 أ/م] ، فما قصصت خبره على وجهه إلا رحمة من ربك وهو الوحي.
واعلم أن في التوراة: أن إسحاق أو يعقوب جرى له في سقي الغنم ولقاء المرأتين، ونكاح امرأة ونحوه شبيها بما تضمنته هذه السورة مما جرى لموسى مع ابنتي شعيب.
وليست قصة هذا السياق في التوراة، فاليهود إذا سمعوا قراء المسلمين يقرءون سورة القصص تغامزوا بينهم، أي انظروا كيف اشتبهت القصة على محمد أو على من لقنه فحرفها وبدلها؛ لأنها عندهم قصة إسحاق أو يعقوب، وأنا رأيتهم ينظر بعضهم إلى بعض [في بعض] الأسواق، وقارئ ضرير يقرأ هذه القصة.
والجواب: أن ما ذكروه غير لازم؛ لجواز أن القصة حرفت في التوراة عن موسى إلى غيره. والتوراة أولى بالتحريف لوجوه:
أحدها: تقادم عهدها.
الثاني: إحراق بخت نصر لها حتى لم يجدوها إلا عند عزيز، فأملاها عن ظهر قلب، فزعموا أنه ابن الله لذلك على ما قيل.
الثالث: أن أحبارهم حرفوا منها كثيرا من صفات محمد صلّى الله عليه وسلّم وأحواله الدالة على نبوته
استزلالا لعامتهم أن يؤمنوا، واستدامة للرياسة عليهم، فلعلهم حرفوا هذه القصة إلى إسحاق لما سمعوها في القرآن مضافة إلى موسى إيقاعا للريبة في قلوب عوامهم.