وأجيب عن الأول بأن الاستغاثة إذا جازت بالحي فبالميت المساوي - فضلا عن الأفضل - أولى؛ لأنه أقرب إلى الله - عز وجل - من الحي لوجوه:
أحدها: أنه في دار الكرامة والجزاء، والحي في دار التكليف.
الثاني: أن الميت تجرد عن عالم الطبيعة القاطعة عن الوصول إلى عالم الآخرة، والحي متلبس بها.
الثالث: أن الشهداء في حياتهم محجوبون، ويعد موتهم أحياء عند ربهم يرزقون.
وعن الثاني: أن ما ذكرتموه أمر مجمع عليه معلوم عند صغير المسلمين - فضلا عن كبيرهم - أن المخلوق على الإطلاق لا يطلب منه ولا ينسب إليه فعل ما اختصت القدرة الإلهية به، وقد رأينا إغمار النار وعامتهم وأبعدهم عن العلم والمعرفة يلوذون بحجرة النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا يزيدون على أن يسألوا الشفاعة والوسيلة: [يا رسول] ، اشفع لنا، يا الله ببركة نبيك اغفر لنا: فصار الكلام في المسألة المفروضة فضلا لا حاجة بأحد من المسلمين إليه.
وإذا لم يمكن بد من التعريف بهذا الحكم خشية أن يقع فيه أحد، فليكن بعبارة لا توهم نقصا في النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا غضا من منصبه، مثل أن يقال: ما استأثر الله - عز وجل - بالقدرة عليه، فلا يطلب من مخلوق/ [322 ل] على الإطلاق أو نحو هذا ولا يتعرض للنبي صلّى الله عليه وسلّم سلب الاستغاثة عنه مطلقا ولا مقيدا، ولا يذكر إلا بالصلاة والسّلام عليه، والرواية عنه، ونحو ذلك.
هذا حاصل ما وقع في هذه المسألة، سؤالا وجوابا، ذكرته بمعناه وزيادات من عندي.
{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} (15) [القصص: 15] يحتج به المعتزلة في نسبة خلق الأفعال إلى المخلوق: لأن موسى نسب قتله القبطي إلى الشيطان بأنه من عمله.