قِيلَ: لَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَصْدَرًا كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ كَوْنَ الْخِيَرَةِ لَهُمْ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ الشِّرَارُ لَهُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالْأَنْعَامِ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شِرَارُ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا مَالِكٌ، وَذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى خَطَؤُهُ، لِأَنَّ لِخِيَارِهَا وَلِشِرَارِهَا أَرْبَابًا يَمْلِكُونَهَا بِتَمْلِيكِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ، وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَسَادُ تَوْجِيهِ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الْمَصْدَرِ.
{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} وَكَيْفَ تَنُوءُ الْمَفَاتِحُ بِالْعُصْبَةِ، وَإِنَّمَا الْعُصْبَةُ هِيَ الَّتِي تَنُوءُ بِهَا؟
قِيلَ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: مَجَازُ ذَلِكَ: مَا إِنَّ الْعُصْبَةَ ذَوِي الْقُوَّةِ لَتَنُوءُ بِمَفَاتِحِ نِعَمِهِ. قَالَ: وَيُقَالُ فِي الْكَلَامِ: إِنَّهَا لَتَنُوءُ بِهَا عَجِيزَتُهَا، وَإِنَّمَا هُوَ: تَنُوءُ بِعَجِيزَتِهَا كَمَا يَنُوءُ الْبَعِيرُ بِحَمْلِهِ، قَالَ: وَالْعَرَبُ قَدْ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا. قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمَالِي ... وَمَا آلُوكَ إِلَّا مَا أُطِيقُ
وَالْمَعْنَى: فَدَيْتُ بِنَفْسِي وَبِمَالِي نَفْسَهُ.
وَقَالَ آخَرُ:
[البحر الطويل]
وَتَرْكَبُ خَيْلًا لَا هَوَادَةَ بَيْنَهَا ... وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ
وَإِنَّمَا تَشْقَى الضَّيَاطِرَةُ بِالرِّمَاحِ. قَالَ: وَالْخَيْلُ هَا هُنَا: الرِّجَالُ.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} قَالَ: وَهَذَا مَوْضِعٌ لَا يَكَادُ يُبْتَدَأُ فِيهِ «إِنَّ» ، وَقَدْ قَالَ: {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [الجمعة: 8] .
وَقَوْلُهُ: {لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} إِنَّمَا الْعُصْبَةُ تَنُوءُ بِهَا؛ وَفِي الشَّعْرِ:
[البحر الكامل]