دفع أعرابي ثوبا إلى خيّاط، فقال الخياط: لأخيطنه خياطة لا تدري أقباء هو أم دواج، فقال: لأقولن فيك شعرا لا تدري أمدح هو أم هجاء. وكان الخياط أعور. ثم أنشد:
خاط لي زيد قبا ... ليت عينيه سوا
فلم يدر أدعا له أم دعا عليه. ولما أنشد النابغة النعمان قوله:
تخفّ الأرض ما غبت عنها ... ويبقى ما بقيت به ثقيلا
غضب، وقال: لا أدري أمدحني أم هجاني؟ فأتى زهير فأخبره فقال حق له أن يغضب ولكن قل بعده هذا البيت:
أظنّك مستقرّ العزّ منها ... فتمنع جانبيها أن تزول
فأتاه فأنشده ذلك فرضي، وقال: أما الآن فنعم.
من قصّد مديحا، فاتّفق منه هجو
جاء شعرور إلى زبيدة فمدحها فقال:
أزبيدة بنت جعفر ... طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكفّ من الرغاب
فوثب إليه الخدم ليضربوه فمنعتهم، وقالت: إنه قصد مدحا وأراد ما يقول الناس شمالك أجود من يمينه، فظنّ أنه إذا ذكر الرّجل كان أبلغ وقد حمدنا ما نواه وإن أساء فيما أتاه.
ومدح شاعر أميرا فقال:
أنت الهمام ابن الهما ... م الواسع ابن الواسعه
فقال: من أين عرفتها قال قد جرّبتها، فقال: أسوأ من شعرك ما أتيت به من عذرك.
شاعر مغلوب بشعر ركيك
أتى أبو الشمقمق بشّارا فقال: يا أبا معاذ أعطنا شيئا وصل إليك من السلطان، فقال: أتسألني وأنا شاعر؟ فقال: نعم إني مررت بالصبيان وهم يقولون:
إنّما بشّار فينا ... مثل تيس في سفينه
فرفع مصلاه عن ثمانمائة درهم وأعطاها له، وقال له: لا تكن راوية للصبيان بعد هذا.
وقال دعبل: وردت قمّ وكان لي على أهلها رسم، فاتفق أن جاءني شعرور فأخذ يناكدني ويؤذيني، فازدريت به وزجرته فذهب وهجاني فقال:
في إست دعبل بلابل ... ليس يشفى لقابل
ليس يشفيه منه غير ... أير بغل بكابل
فلهج الصبيان بذلك وصاروا يصيحون خلفي إذا رأوني ففررت من قمّ استحياء وما عاودتها بعد.
(معرفة نقد الشّعر)
قال أبو عمرو: انتقاد الشعر أشدّ من نظمه، واختيار الرجل الشعر قطعة من عقله.
وقيل: إنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه.
وقيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على عقله. وقيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على حوكه.
وقال الفرزدق: لا يكون الشاعر متقدّما حتى يكون باختيار الشعر أحذق منه بعمله.
وقال أبو أحمد بن المنجم:
ربّ شعر نقدته مثل ما ين ... قد رأس الصيارف الدينارا
وقال الأهوازي:
ويزعم أنه نقّاد شعر ... هو الحادي وليس له بعير
وقال آخر: