والثانية قال: اجعلنا نقتدي بمن قبلنا حتى يَقتدي بنا مَنْ بعدنا. وعلى هذا في الكلام محذوف يدل عليه الباقي؛ حُذف سؤالهم الاقتداء بمن قبلهم من المتقين، وذُكر سؤالهم أن يقتدي بهم المتقون؛ لأنهم لا يصيرون قادة متبعين حتى يقتدوا أولاً ويتبعوا.
وحكى الفراء، والزجاج، هذا القول الأخير. قال مقاتل: أخبر الله تعالى عن أعمالهم ثم أخبر عن ثوابهم.
75 -فقال: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} الغُرْفَة معناها في اللغة: العلِّيَّة، وكلُ بناء عالٍ مرتفع فهو: غُرْفة. ويقال للسماء السابعة غرفة، وهو في شعر لبيد. ويحتمل أن يكون أصلها من الغَرْف، بمعنى: القطع والفصل، يقال غَرَفْتُ ناصيتَه، أي: قطعتها.
قال الأصمعي: ومنه قول قيس بن الخطيم: تكاد تنغرف
أي: تنقطع. فُسمي البيت العالي: غُرْفة، بمعنى: المغروف، أي: المقطوع من غيره بعلوه وارتفاعه. قال مقاتل: يعني: غرف الجنة، نظيرها في: الزمر. وقال ابن عباس: يريد غرف الزبرجد، والدر، والياقوت. وقال السدي والضحاك: {الْغُرْفَةَ} الجنة.
قوله: {بِمَا صَبَرُوا} قال ابن عباس: على دينهم، وعلى أذى المشركين. وقال مقاتل: على أمر الله.
وقوله: {وَيُلَقَّوْنَ} قرئ بالتشديد، والتخفيف. فمن شدد فحجته
قوله: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [الإنسان: 11] ، ومن خفف فحجته قوله: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] .
وقال الفراء: التخفيف أعجب إلي؛ لأن القراءة لو كانت على التشديد، كانت بالباء؛ لأنك تقول: فلان يُتَلقَّى بالسلام والخير. وهذا الذي قاله ينتقض بقوله: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} ؛ لأنه بغير الباء على أن قال: وكل صواب: يُلَقَّونه، ويُلَقَّون به.
وقوله: {فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} قال ابن عباس: التحية والسلام، من عند الرحمن. وقال الكلبي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام، ويرسل إليهم الرب بالسلام.