وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) } [البقرة: 85] .
لقد انحسر مفهوم الدين .. ومفهوم التوحيد .. ومفهوم العبادة .. عند كثير من المسلمين .. بسبب جهلهم وغفلتهم .. وزحزحة شياطين الإنس والجن لأوامر الله من حياتهم.
فهم يستنكرون لهذا وجود صلة بين العقيدة والأخلاق، ووجود صلة بين التوحيد والمعاملات، فيتساءلون في استنكار:
ما للإسلام والسلوك الشخصي؟.
ما للإسلام وحرية اللباس؟.
ما دخل الإسلام في لباس المرأة؟.
ما للإسلام والمعاملات الربوية؟.
وما للدين والمهارة في الغش والاحتيال؟.
إن جهالة هؤلاء أشد جهالة من جاهلية أهل مدين الذين أرسل الله لهم شعيباً، ليعبدوا الله وحده فتكون حياتهم لحمة واحدة لا يفترق فيها الاعتقاد عن العبادة عن شرائع الحياة.
فكلها تابعة لأمر الله وشرعه وحكمه، وبتنفيذها تتحقق العبودية الكاملة لله وحده.
وجاهلية اليوم تدعي العلم والمعرفة والحضارة، وتتهم الذين يربطون بين
العقيدة في الله، والسلوك الشخصي في الحياة، والمعاملات المادية في السوق، تتهمهم بالرجعية والتعصب والجمود كما قال قوم شعيب له متهكمين ساخرين به: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) } [هود: 87] .
فالحلم والرشد عندهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم بلا تفكير، وأن يفصلوا بين العبادة والتعامل في السوق.
إن صلاح الحياة والمجتمع أن يعيش الإنسان آدمياً مؤمناً بربه، عابداً له، مطيعاً له في جميع أحواله.
وقد يخيل لبعض الناس أن اتباع العقيدة والخلق يفوت بعض الكسب الشخصي ويضيع بعض الفرص، وهذا ليس بصحيح، بل إنه يفوت الكسب الخبيث ويضيع الفرص القذرة النجسة، ويعوض عنهما كسباً طيباً ورزقاً حلالاً، ومجتمعاً متآخياً متعاوناً، لا حقد فيه ولا غدر ولا خصام.