ثم يحتمل أن يكون تسبيح الجبال هاهنا والطير تسبيح خلقة، لكنه لو كان تسبيح خلقة لكان تسبيحها مع داود وغيره سواء، وقد ذكر يسبحن مع داود؛ ليعلم أن اللَّه جعل لهذه الأشياء تسبيحًا يسبحن اللَّه ويذكرونه، كذلك ما روي في الأخبار أن الطعام يسبح في كف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، وروي أنه أخذ حجرًا فسبح في يده، وأنه أخذ كذا فسلم عليه، وأمثال هذا كثير، وذلك كله آية لرسل اللَّه على رسالتهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُنَّا فَاعِلِينَ) .
أي: كنا فاعلين ما نريد: إن أردنا أن يسبحن، يسبحن، وإن أردنا ألا يسبحن، لا يسبحن، أي: كنا فاعلين جميع ما نريد، ليس كالخلائق؛ لأنهم يريدون أشياء لا تلتئم لهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ ...(80)
وقال في آية أخرى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ(10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ...) الآية.
ثم يحتمل قوله: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) أي: علمناه السبب الذي به يلين الحديد فيصنع به ما شاء، كما علم غيره من الخلق السبب الذي يلين به الحديد.
ويحتمل أن جعل له الحديد لينًا بلا سبب؛ تسخيرًا له كما سخر له غيره من الأشياء الشديدة الصلبة، كما أعطى ولده عين القطر حيث قال: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) وذلك لم يكن لأحد سواه. وكذلك الحديدَ ألان لوالده حتى يعمل به ما شاء ما لم يكن ذلك في حديد سواه، (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ) قيل: دروع الحديد (لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) أي: تقيكم من بأسكم، أي: من عدوكم ومن أمر حربكم، وفيه قرأت: (لِتُحْصِنَكُمْ) بالتاء: و (ليحصنكم) بالياء: و (لنحصنكم) بالنون.
قال الكسائي: من قرأ بالتاء: (لِتُحْصِنَكُمْ) أي: الصنعة تحصنكم من بأسكم، ومن قرأ بالياء: (ليحصنكم) أي: اللبوس يحصنكم من بأسكم، ومن قرأ بالنون: (لنحصنكم) فإنه يقول: نحصنكم بهن من بأسكم.