ولن يكون لأن الله سبحانه لم يرده ابتداء ولم يوجه إليه إرادته أصلاً: {إن كنا فاعلين} .. وإن حرف نفي بمعنى ما ، والصيغة لنفي إرادة الفعل ابتداء.
إنما هو فرض جدلي لتقرير حقيقة مجردة.. هي أن كل ما يتعلق بذات الله سبحانه قديم لا حادث ، وباق غير فان. فلو أراد سبحانه أن يتخذ لهواً لما كان هذا اللهو حادثاً ، ولا كان متعلقاً بحادث كالسماء والأرض وما بينهما فكلها حوادث.. إنما كأن يكون ذاتياً من لدنه سبحانه. فيكون أزلياً باقياً ، لأنه يتعلق بالذات الأزلية الباقية.
إنما الناموس المقرر والسنة المطردة ألا يكون هناك لهو ، إنما يكون هناك جد ، ويكون هناك حق ؛ فيغلب الحق الأصيل على الباطل العارض:
{بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} ..
و {بل} للإضراب عن الحديث في موضوع اللهو ؛ والعدول عنه إلى الحديث في الواقع المقرر الذي تجري به السنة ويقتضيه الناموس.
وهو غلبة الحق وزهوق الباطل.
والتعبير يرسم هذه السنة في صورة حسية حية متحركة. فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة. تقذف به على الباطل ، فيشق دماغه! فإذا هو زاهق هالك ذاهب..
هذه هي السنة المقررة ، فالحق أصيل في طبيعة الكون ، عميق في تكوين الوجود. والباطل منفي عن خلقه هذا الكون أصلاً ، طارئ لا أصالة فيه ، ولا سلطان له ، يطارده الله ، ويقذف عليه بالحق فيدمغه. ولا بقاء لشيء يطارده الله ؛ ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه!
ولقد يخيل للناس أحياناً ان واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير. وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشاً كأنه غالب ، ويبدو فيها الحق منزوياً كأنه مغلوب. وإن هي إلا فترة من الزمان ، يمد الله فيها ما يشاء ، للفتنة والابتلاء. ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض ؛ وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء.