والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده ؛ وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه ؛ وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه.. فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حيناً من الدهر عرفوا أنها الفتنة ؛ وأدركوا أنه الابتلاء ؛ وأحسوا أن ربهم يربيهم ، لأن فيهم ضعفاً أو نقصاً ؛ وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر ، وأن يجعلهم ستار القدرة ، فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف.. وكلما سارعوا إلى العلاج قصر الله عليهم فترة الابتلاء ، وحقق على أيديهم ما يشاء. أما العاقبة فهي مقررة: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} والله يفعل ما يريد.
هكذا يقرر القرآن الكريم تلك الحقيقة للمشركين ، الذين يتقولون على القرآن وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويصفونه بالسحر والشعر والافتراء. وهو الحق الغالب الذي يدمغ الباطل ، فإذا هو زاهق.. ثم يعقب على ذلك التقرير بإنذارهم عاقبة ما يتقولون: {ولكم الويل مما تصفون} ..
ثم يعرض لهم نموذجاً من نماذج الطاعة والعبادة في مقابل عصيانهم وإعراضهم. نموذجاً ممن هم أقرب منهم إلى الله. ومع هذا فهم دائبون على طاعته وعبادته ، لا يفترون ولا يقصرون:
{وله من في السماوات والأرض. ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون} ..
ومن في السماوات والأرض لا يعلمهم إلا الله ، ولا يحصيهم إلا الله. والعلم البشري لا يستيقن إلا من وجود البشر. والمؤمنون يستيقنون من وجود الملائكة والجن كذلك لذكرهما في القرآن. ولكننا لا نعرف عنهم إلا ما أخبرنا به خالقهم. وقد يكون هناك غيرهم من العقلاء في غير هذا الكوكب الأرضي ، بطبائع وأشكال تناسب طبيعة تلك الكواكب.
وعلم ذلك عند الله.
فإذا نحن قرأنا: {وله من في السماوات والأرض} عرفنا منهم من نعرف ، وتركنا علم من لا نعلم لخالق السماوات والأرض ومن فيهن.