والمعنى: دنا من مشركي قريش وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم السيئة، الموجبة للعقاب يوم القيامة، {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} ؛ أي: والحال أنهم في غفلة تامة من الحساب على النقير والقطمير، والتأهّب له، ساهون عنه بالكلية، لا أنهم غير مبالين مع اعترافهم بإتيانه، بل منكرون له، كافرون به مع اقتضاء عقولهم له؛ لأن الأعمال لا بد لها من الجزاء، وإلّا لزم التسوية بين المطيع، والعاصي وهي بعيدة عن مقتضى الحكمة والعدالة {مُعْرِضُونَ} عن الإيمان والآيات، والنذر المنبّهة لهم من سنة الغفلة.
وهما خبران للضمير، وحيث كانت الغفلة أمرًا جبليًا لهم، جعل الخبر الأول ظرفا منبئًا عن الاستقرار بخلاف الأعراض. والجملة حال من {الناس} ،
ويجوز أن يكون الظرف حالًا من المستكن في {مُعْرِضُونَ} . وعبارة الشوكاني هنا: وهم في غفلة بالدنيا، معرضون عن الآخرة، غير متأهبين بما يجب عليهم من الإيمان بالله، والقيام بفرائضه، والانزجار عن مناهيه، انتهت.
وحاصل المعنى: أي دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم، وعلى النِّعَم التي أنعمها عليهم ربهم في أجسامهم، وعقولهم، ومطاعمهم ومشاربهم، ماذا عملوا فيها؟ هل أطاعوه فيها، فانتهوا إلى أمره ونهيه، أو عصوه فخالفوا أمره فيها، وهم في هذه الحياة في غفلة عما يفعل الله بهم يوم القيامة، ومن ثمّ تركوا الفكر والاستعداد لهذا اليوم، والتأهُّب له جهلًا منهم بما هم لاقوه حينئذٍ من عظيم البلاء، وشديد الأهوال، وآثر بيان اقتراب هذا اليوم مع أن الكلام مع المشركين المنكرين للبعث للإشارة إلى أن البعث لا ريب فيه، وأن الذي يرجى بيانه ذكر ما يستتبعه من الأحوال والأهوال كالحساب الموجب للاضطراب على وجه أكيد، ونهج سديد.
وخلاصة ذلك: أنه قد دنا وقت الساعة، وهم غافلون عن حسابهم، ساهون، لا يتفكرون في عاقبتهم، مع أن قضية العقل تقضي بجزاء المحسن والمسيء، وإذا هم نبهوا من غفلتهم بما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا، وسدوا أسماعهم عن سماعه،