وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِالذِّكْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الشُّرَفُ، وَقَالُوا: مَعْنَى الْكَلَامِ: لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ شَرَفُكُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْكَلِمَةِ، وَهُوَ نَحْوٌ مِمَّا قَالَ سُفْيَانُ الَّذِي حَكَيْنَا عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ شَرَفٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَثِيرًا قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ. وَالْقَصْمُ: أَصْلُهُ الْكَسْرُ، يُقَالُ مِنْهُ: قَصَمْتُ ظَهْرَ فُلَانٍ إِذَا كَسَرْتُهُ، وَانْقَصَمَتْ سِنُّهُ: إِذَا انْكَسَرَتْ وَهُوَ هَهُنَا مَعْنِيُّ بِهِ: أَهْلَكْنَا.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} قَالَ: قَصَمَهَا أَهْلُهَا
وَقَوْلُهُ: {مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} أَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى الْقَرْيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا أَهْلُهَا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ. وَكَأَنَّ ظُلْمَهَا كُفْرُهَا بِاللَّهِ , وَتَكْذِيبُهَا رُسُلَهُ وَقَوْلُهُ: {وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَحْدَثْنَا بَعْدَ مَا أَهْلَكْنَا هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الَّتِي قَصَمْنَاهَا بِظُلْمِهَا قَوْمًا.
آخَرِينَ سِوَاهُمْ وَقَوْلُهُ: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا}
يَقُولُ: فَلَمَّا عَايَنُوا عَذَابَنَا قَدْ حَلَّ بِهِمْ وَرَأَوْهُ قَدْ وَجَدُوا مَسَّهُ، يُقَالُ مِنْهُ: قَدْ أَحْسَسْتُ مِنْ فُلَانٍ ضَعْفًا، وَأَحَسْتُهُ مِنْهُ
{إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ}
يَقُولُ: إِذَا هُمْ مِمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا النَّازِلَ بِهِمْ يَهْرُبُونَ سِرَاعًا عَجْلَى يَعْدُونَ مُنْهَزِمِينَ، يُقَالُ مِنْهُ: رَكَضَ فُلَانٌ فَرَسَهُ: إِذَا كَدَّهُ بِسِيَاقَتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا تَهْرُبُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ: يَقُولُ: إِلَى مَا أُنْعِمْتُمْ فِيهِ مِنْ عِيشَتِكُمْ , وَمَسَاكِنِكُمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَعَلَّكُمْ تَفْقَهُونَ , وَتَفْهَمُونَ بِالْمَسْأَلَةِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ مِنْ دُنْيَاكُمْ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ السُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ.