وكذلك شبهوا حين هلاكهم بالنار الخامدة فتضمن تشبيههم قبل ذلك بالنار المشبوبة في القوة والبأس كما شبه بالنار في قوله تعالى: {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} في سورة [المائدة: 64] ، وقوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} في سورة [البقرة: 17] .
فحصل تشبيهان بليغان وليسا باستعارتين مكنيتين لأن ذكر المشبه فيهما مانع من تقوّم حقيقة الاستعارة خلافاً للعلاَّمتين التفتازاني والجرجاني في"شرحيهما للمفتاح"مُتمسكين بصيغة جمعهم في قوله تعالى {جعلناهم،} فجَعَلا ذلك استعارتين مكنيتين إذ شبهوا بزرع حين انعدامه ونار ذهب قوتُها وحذف المشبهُ بهما ورُمز إليهما بلازم كل منهما وهو الحصد والخمود فكان {حصيداً} وصفاً في المعنى للضمير المنصوب في {جعلناهم،} فالحصيد هنا وصف ليس منزلاً منزلة الجامد كالذي في قوله تعالى {وحَبّ الحصيد} [ق: 9] ، وبذلك لم يكن قوله تعالى {حصيداً} من قبيل التشبيه البليغ إذ لم يشبهوا بحصيد زرع بل أثبت لهم أنهم محصودون استعارة مكنية مثل نظيره في قوله تعالى {خامدين} الذي هو استعارة لا محالة كما هو مقتضى مجيئه بصيغة الجمع المذكر، ومبنى الاستعارة على تناسي التشبيه.
وهذا تكلف منهما ولم أدر ماذا دعاهما إلى ارتكاب هذا التكلف.
وانتصب {حصيداً خامدين} على أن كليهما مفعول ثان مكرر لفعل الجَعل كما يخبر عن المبتدأ بخبرين وأكثر، فإن مفعولي (جعل) أصلهما المبتدأ والخبر وليس ثانيهما وصفاً لأولهما كما هو ظاهر. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 17 صـ}