وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى(15)
قال الحسن: (أَكَادُ) صلة، كأنه قال: إن الساعة آتية أخفيها، وفي حرف أُبي بن كعب: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي) ، ثم يحتمل قوله: من نفسي وجهين: أحدهما: أخفيها من خلقي، ولا يجب أن يفهم من نفسه: ذاته بالإضافة إليه، كما لم يفهم من قوله: (رُوحِي) و (روحنا) ، وهو أخفى من الناس: ذاته، ولكن فهم منه: خلقه؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله: من نفسي ذاته، هذا يحتمل، واللَّه أعلم.
والثاني: أن يكون قوله: (أكاد أخفيها من نفسي) ، أي: من أخيار عبادي، أي: أخفيها من أخيار عبادي مع عظيم قدرهم ومنزلتهم عندي من نحو الملائكة والأنبياء والرسل؛ فإن عادة ملوك الأرض: أنهم لا يكتمون سرائرهم من خواصهم، بل يطلعونهم على ذلك، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - واللَّه أعلم - أنه أخفاها من خواص عباده وأخيارهم،
فكيف من دونهم؛ فيكون إضافته إياهم إلى نفسه؛ لعظم قدر أُولَئِكَ وفضل منزلتهم كقوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) ، واللَّه لا يُنصر، ولكن إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا أولياء اللَّه ينصركم، وكذلك قوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ) واللَّه لا يخادَع، ولكن يخادعون أولياءه ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: (أخفيها من نفسي) : أي: من خواصي وأخيار عبادي، واللَّه أعلم.
هذا على إسقاط قوله: (أَكَادُ) وجعله صلة، وأما على إثبات (أَكَادُ) فهو على وجهين.
أحدهما: يقال: كاد: أراد، أي: أريد أخفيها، وهو معروف باللّغة.
والثاني: كاد، يقال: قارب، وهو سائغ في اللغة، جارٍ (كاد) على إرادة مقاربة: كادت الشمس أن تطلع، أو تغرب، أي: قاربت وكدت أن أسقط، أي: قاربت، وإلا لا يريد السقوط، إذا كان على هذا فهو قال ذلك - واللَّه أعلم - على التعظيم لها، أي: قارب أن يخفيها من نفسه فكيف من غيره؟!.