الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ السَّاعَةَ الَّتِي يَبْعَثُ اللَّهُ فِيهَا الْخَلَائِقَ مِنْ قُبُورِهِمْ لِمَوْقِفِ الْقِيَامَةِ جَائِيَةٌ {أَكَادُ أُخْفِيهَا} فَعَلَى ضَمِّ الْأَلِفِ مِنْ أُخْفِيهَا قِرَاءَةُ جَمِيعِ قُرَّاءِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ، بِمَعْنَى: أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي، لِئَلَّا يَطَّلِعَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، وَبِذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {أَكَادُ أُخْفِيهَا}
يَقُولُ: لَا أُظْهِرُ عَلَيْهَا أَحَدًا غَيْرِي.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: «أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي» وَلَعَمْرِي لَقَدْ أَخْفَاهَا اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا هُوَ: «أَكَادُ أَخْفِيهَا» بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَخْفِيهَا بِمَعْنَى: أُظْهِرُهَا.
[عن] مُحَمَّد بْن سَهْلٍ، قَالَ: سَأَلَنِي رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ عَنْ هَذَا الْبَيْتِ، [البحر الخفيف]
دَابَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا ... بَأَرِيكَيْنِ يَخْفَيَانِ غَمِيرَا
فَقُلْتُ: يَظْهَرَانِ، فَقَالَ وَرْقَاءُ بْنُ إِيَاسَ وَهُوَ خَلْفِي: أَقْرَأَنِيهَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «أَكَادُ أَخْفِيهَا» بِنَصْبِ الْأَلِفِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وِفَاقٌ لِقَوْلِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ قَالُوا: مَعْنَاهُ: أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مِنَ الْقَوْلِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي، لِأَنَّ تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِذَلِكَ جَاءَ.
وَالَّذِي ذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِنْ قِرَاءَةِ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِخِلَافِهَا قِرَاءَةَ الْحُجَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا.