ويقال لمَّا باسطه الحقُّ بسماع كلامه أخذته أريحية سماع الخطاب، فأجاب عما يُسْأَل وعمَّا لم يُسْأَل فقال: {وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى} : وذَكَرَ وجوها من الانتفاع؛ منها أنه قال تؤنسني في حال وحدتي، وتضيءُ لي الليلَ إذا أظلم، وتحملني إذ عَييتُ في الطريق فأركبُها، وأَهُشُّ به على غنمي، وتدفع عني عَدَوِّي. وأعظم مأربٍ لي فيها أَنَّكَ قُلْتَ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ؟} وأيةُ نعمةٍ أو مأربٍ أو منفعةٍ تكون أعظمَ مِنْ أَنْ تقولَ لي: وما تلك؟ ويقال قال الحقُّ - بعد ما عدَّد موسى وجوَه الآياتِ وصنوفَ انتفاعِه بها - ولَكَ يا موسى فيها أشياءٌ أخرى أنت غافلٌ عنها وهي انقلابُها حيةً، وفي ذلك لك معجزةٌ وبرهانُ صِدْقٍ.
ويقال جميعُ ما عَدَّدَ من المنافع في العصا كان من قِبَلِ الله .... فكيف له أن ينسبها ويضيفها إلى نفسه، ولهذا قالوا:
يا جنَّة الخُلْدِ، والهدايا إذا ... تُهدَى إليك فما مِنْكِ يُهْدَى
ويقال قال موسى لها رآها حيةً تهتز: لقد عَلِمْتُ كلَّ وصفٍ بهذه العصا، أَمَّا هذه الواحدة فلم أعرفها.
{قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) }
لا عِبْرةَ بما يوهِمُ ظاهرُ الأشياء؛ فقد يُوهِمُ الظاهرُ بشيءٍ ثم يبدو خِلافُه في المستقبل؛ فعصا موسى صارت حيةً.
ثم قال المقصود بذلك أن تكون لك آيةً ومعجزةً لا بلاءً وفتنةً.
قوله: {قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ ...} أَشْهَدَه - بانقلاب العصا من حالٍ إلى حال؛ مرةً عصا ثم ثعباناً ثم عصا مرةً أخرى - أَنَّه يُثَبِّتُ عِبادَه في حال التلوين مرةً ومرةٌ؛ فَمِنْ أَخْذٍ ومِنْ رَدَّ، ومن جَمْعٍ ومن فَرْقٍ الخ.