والظاهر أنه جعل الجملة من الفعل المقدر وفاعله حالا ، ويجوز أن يكون استئنافاً ، ولا يخفى عليك أن ما ذكره وإن حس معنى إلا أنه خلاف المتبادر ، هذا والآية ظاهرة في جواز انقلاب الشيء عن حقيقته كانقلاب النحاس إلى الذهب وبه قال جمع ، ولا مانع في القدرة من توجه الأمر التكويني إلى ذلك وتخصيص الإرادة له ، وقيل: لا يجوز لأن قلب الحقائق محال والقدرة لا تتعلق به والحق الأول بمعنى أنه تعالى يخلق بدل النحاس مثلاً ذهباً على ما هو رأي بعض المحققين أو بأن يسلب عن أجزاء النجاس الوصف الذي صار به نحاساً ويخلق فيه الوصف الذي يصير به ذهباً على ما هو رأي بعض المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات ، والمحال إنما هو انقلابه ذهباً مع كونه نحاساً لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاساً وذهباً ، وانقلاب العصا حية كان بأحد هذين الاعتبارين والله تعالى أعلم بأيهما كان ، والذي أميل إليه الثاني فإن في كون خلق البدل انقلاباً خفاء كما لا يخفى.
{واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ}
أمر له عليه السلام بعد ما أخذ الحية وانقلبت عصاكما كانت ؛ والضم الجمع ، والجناح كما في القاموس اليد والعضد والابط والجانب ونفس الشيء ويجمع على أجنحة وأجنح ، وفي البحر الجناح حقيقة في جناح الطائر والملك ثم توسع فيه فاطلق على اليد والعضد وجنب الرجل.
وقيل: لمجنبتي العسكر جناحان على سبيل الاستعارة وسمي جناح الطائر بذلك لأنه يجنحه أي يميله عند الطيران ، والمراد ادخل يدك اليمنى من طوق مدرعتك واجعلها تحت إبط اليسرى أو تحت عضدها عند الابط أو تحتها عنده فلا منافاة بين ما هنا ، وقوله تعالى: {ادخل يَدَكَ فِى جَيْبِكَ} [النمل: 12] .