فيحبه كل مَنْ رآه عطية من الله وفضلاً ، دون سبب من أسباب المودة ، وإنْ كنتَ قد تبرعتَ لله تعالى بما تملك وهو قلبك مستودع العقائد وينبوع الصالحات كلها ، فإنه تعالى وهب لك ما يملك من قلوب الناس جميعاً ، فهي في يده تعالى يُوجِّهها كيف يشاء .
وقد علَّمنا ربنا تبارك وتعالى في قوله: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} [النساء: 86] أن نرد الجميل بأحسن منه ، فإنْ لم نقدر على الأحسن فلا أقلَّ من الرد بالمثل ، فإنْ كان هذا عطاء العبد ، فما بالك بعطاء الرب؟
ومن ذلك ما جاء في الحديث الشريف:"من يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
والعَوْن يقتضي مُعيناً ومُعَاناً ، ولا بُدّ أن يكون المعين أقوى من المعان ، فيفيض عليه من فضل ما عنده: صحة ، أو قدرة ، أو غنىً ، أو علماً .
وإعانةُ العبد لأخيه محدودة بقدراته وإمكاناته ، أمّا معونة الله لعبده فغير محدودة ؛ لأنها تناسب قدرة وإمكانات الحق تبارك وتعالى .
وهكذا عوَّدنا ربنا تبارك وتعالى حين نُضحِّي بالقليل أنْ يعطينا الكثير وبلا حدود ، فضلاً من الله وكرماً . ألم تَرَ أن الحسنة عنده تعالى بعشر أمثالها ، وتضاعف إلى سبعمائة ضعف؟ أليست هذه تجارة مع الله رابحة ، كما قال سبحانه: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: 10] .
وقال عنها: {تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر: 29] .
وكأن الحق تبارك وتعالى يريد منا المحبة المتبادلة التي تربط بين قلوبنا وتُؤلّف بيننا ، ثم يمنحنا سبحانه الثمن .
إذن: العملية الإيمانية لا تظن أنها إيثار ، بل الإيمان أثره ، وأنت حين تتصدق بكذا إنما تأمل ما عند الله من مضاعفة الأجر ، فالإيمان إذن أنانية عالية .