ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا"فلا ينكر رجوع الكاف إلى الهاء ؛ فقد عرف ذلك في قوله عز وجل: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} [الإنسان: 21] معناه كان لهم ، فرجعت الكاف إلى الهاء."
وقال الأكثر: المخاطب العالم كله ، ولا بد من ورود الجميع ، وعليه نشأ الخلاف في الورود.
وقد بينا أقوال العلماء فيه.
وظاهر الورود الدخول ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"فتمسّه النار"لأن المسيس حقيقته في اللغة المماسة ، إلا أنها تكون برداً وسلاماً على المؤمنين ، وينجون منها سالمين.
قال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يقل ربنا: إنا نرد النار؟ فيقال: لقد وردتموها فألفيتموها رماداً.
قلت: وهذا القول يجمع شتات الأقوال ؛ فإن من وردها ولم تؤذه بلهبها وحرها فقد أبعد عنها ونُجِّي منها.
نجانا الله تعالى منها بفضله وكرمه ، وجعلنا ممن وردها فدخلها سالماً ، وخرج منها غانماً.
فإن قيل: فهل يدخل الأنبياء النار؟ قلنا: لا نطلق هذا ، ولكن نقول: إن الخلق جميعاً يردونها كما دل عليه حديث جابر أوّل الباب ؛ فالعصاة يدخلونها بجرائمهم ، والأولياء والسعداء لشفاعتهم فبين الدخولين بَوْنٌ.
وقال ابن الأنباري محتجاً لمصحف عثمان وقراءة العامة: جائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب ؛ كما قال:
{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} [الإنسان: 21 22] فأبدل الكاف من الهاء.
وقد تقدم هذا المعنى في"يونس".