فأما قوله: {جِثِيّاً} فقال الزجاج: هو جمع جاثٍ ، مثل قاعدٍ وقعودٍ ، وهو منصوب على الحال ، والأصل ضم الجيم ، وجاء كسرها إِتباعاً لكسرة الثاء.
وللمفسرين في معناه خمسة أقوال.
أحدها: قعوداً ، رواه العوفي عن ابن عباس.
والثاني: جماعات جماعات ، روي عن ابن عباس أيضاً.
فعلى هذا هو جمع جثْوة وهي المجموع من التراب والحجارة.
والثالث: جثيّاً على الرُّكَب ، قاله الحسن ، ومجاهد ، والزجاج.
والرابع: قياماً ، قاله أبو مالك.
والخامس: قياماً على رُكَبهم ، قاله السدي ، وذلك لضيق المكان بهم.
قوله تعالى: {لَنَنْزِعَنّ مِنْ كل شيعة} أي: لنأخذنّ من كل فِرقة وأُمَّة وأهل دين {أيُّهم أَشَدُّ على الرحمن عَتِيّاً} أي: أعظمهم له معصية ، والمعنى: أنه يُبدَأ بتعذيب الأعتى فالأعتى ، وبالأكابر جُرْماً ، والرؤوس القادة في الشرِّ.
قال الزجاج: وفي رفع"أَيُّهم"ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه على الاستئناف ، ولم تعمل"لننزعنَّ"شيئاً ، هذا قول يونس.
والثاني: أنه على معنى الذي يقال لهم: أيُّهم أشدُّ على الرحمن عِتِيّاً؟ قاله الخليل ، واختاره الزجاج ، وقال: التأويل: لننزعنّ الذي من أجل عُتُوِّه يقال: أيُّ هؤلاء أَشَدُّ عِتِيّاً؟ وأنشد:
وَلَقَدْ أَبِيتُ عن الفَتَاةِ بمنزلٍ ...
فأبيت لا حَرِج ولا محروم
المعنى: أبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حَرِج ولا محروم.
والثالث: أن"أيُّهم"مبنية على الضم ، لأنه خالفت أخواتها ، فالمعنى: أيُّهم هو أفضل.
وبيان خلافها لأخواتها أنك تقول: اضرب أيُّهم أفضل ، ولا يَحْسُن: اضرب مَنْ أفْضل ، حتى تقول: من هو أفضل ، ولا يَحْسُن: كُلْ ما أطيب ، حتى تقول: ما هو أطيب ، ولا خُذْ ما أفضل ، حتى تقول: الذي هو أفضل ، فلما خالفت"ما"و"مَنْ"و"الذي"بُنيت على الضم ، قاله سيبويه.