مثال آخر: عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهرًا وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} . فارتاب من ذلك اليهود وقالوا - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ، وقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} .
وعن ابن عمر قال: نزلت {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في التطوّع.
ومن حديث عامر بن ربيعة قال: كنا في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت.
فالحديث الأول صحيح الإسناد وهو الذي صرح فيه بذكر السبب فهو المعتمد.
المسألة الرابعة: أن يستوي الإسنادان في الصحة:
فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر القصة أو نحو ذلك من وجوه الترجيحات.
مثال: عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنت أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب، فمر بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لو سألتموه! فقالوا: حدثنا عن الروح. فقام ساعة ورفع رأسه، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ حَتَّى صَعِدَ الْوَحْيُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) [الإسراء: 85] .
وعن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَتْ قُرَيْش لِيَهُودَ أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ هَذَا الرَّجُلَ! فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فَأَنْزَلَ الله {وَيَسْأَلُونَكَ. . .} .
فهذا يقتضي أنها نزلت بمكة والأول خلافه، وقد رجح بأن ما رواه البخاري أصح من غيره وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة.
المسألة الخامسة: أن يكون نزولها عقيب السببين أو الأسباب المذكورة، بشرط ألا تكون معلومة التباعد: