قال الزركشي: وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة ظنًا أنه لا فائدة له وليس كذلك؛ بل هو من محاسنها لا سيما إذا تعلق بعضه ببعض، وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذا اهتمت بشيء إرادةً لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه كررته توكيدًا، وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه أو الاجتهاد في الدعاء عليه حيث تقصد الدعاء، وإنما نزل القرآن بلسانهم وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض. وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة، وعلى ذلك يحمل ما ورد من
تكرار المواعظ والوعد والوعيد؛ لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة وكلها داعية إلى الشهوات، ولا يقمع ذلك إلا تكرار المواعظ والقوارع، قال تعالى:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) } [القمر: 17] .
قال الزمخشري: قوله {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) } أي: سهلناه للادكار والاتعاظ؛ بأن شحناه بالمواعظ الشافية، وصرّفنا فيه من الوعد والوعيد {فَهَلْ مِنْ} متعظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه.
ثم تارة يكون التكرار مرتين كقوله تعالى: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} [المدثر: 19, 20] ، وقوله: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34, 35] ، وقوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 3, 4] وقوله: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 6, 7] ، وقد أخبر الله سبحانه بالسبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والأخبار في القرآن: فقال: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 51] ، وقوله: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113] .