ثالثًا: أن جميع الرسل كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، أما محمد - صلى الله عليه وسلم - بُعث إلى الناس كافة، فليكن في القرآن عموم في اللغات كعموم المنزل عليه إلى العالم.
القول الثالث: وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ عِنْدِي مَذْهَبٌ فِيهِ تَصْدِيقُ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. وَذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ الأَحْرُفَ أُصُولُهَا أَعْجَمِيَّةٌ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ، لَكِنَّهَا وَقَعَتْ لِلْعَرَبِ، فَعُرِّبَتْ بألسنتها، وَحَوَّلَتْهَا عَنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ إلَى أَلْفَاظِهَا فَصَارَتْ عَرَبِيَّةً، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ - وَقَدْ اخْتَلَطَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ - فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا عَرَبِيَّةٌ فَهُوَ صَادِقٌ، وَمَنْ قَالَ أَعْجَمِيَّةٌ فَصَادِقٌ.
ومال إلى هذا القول الجواليقي، وابن الجوزي، وآخرون.
لا خلاف بين العلماء في أنه ليس في القرآن كلام مركب من ألفاظ أعجمية تعطي معنى مستفادًا حسب هذا التركيب.
كما أنه لا خلاف بينهم أن في القرآن أعلام أعجمية كنوح، وإسرائيل، ولوط من غير لسان العرب. والخلاف إنما هو في ألفاظ مفردة ليست من هذا ولا ذاك، فهل من لسان العرب أم من لسان غير العرب؟.
المبحث الثاني: على فرض وجود ألفاظ أعجمية فالجواب عليه من وجوه
الوجه الأول: ان لسان العرب أوسع من أن يحيط به أحد.
نعم، فلسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها؛ حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه. والعلم به عند العرب كالعلم بالسُنّة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء.