يكتب للناس كتابًا لا يفهمونه إلا إذا فسره هو لهم؟!! فما لك بالقرآن المبين،
نعم، قد أطلق القرآن الكلام في مسائل قليلة لتكون عبارته منطبقة على أحوال
جميع البشر في كل زمان ومكان، ولكن هذا شيء والإجمال شيء آخر.
ولتوضيح المقام نضرب مثلاً لكلٍّ: فمثال الإجمال قولك: حرم الله الخبائث،
وإذا أردت تفصيله تقول: حرم الله الخنزير والخمر والميتة والدم وغيرها. ومثال
الإطلاق أن تقول: جاء محمد، وتقييده يكون بنحو قولك:(جاء محمد راكبًا فرسًا
في يوم الجمعة)، فالمجمل ما دخل تحته جميع أفراد المفصل، والمطلق لا تدخل
فيه أفراد المفصل، والمطلق لا تدخل فيه أفراد المقيد ولكنه يتحملها، أي أن الأول
كالجراب الحاوي للمفصل والثاني كجراب غير حاوٍ له ولكنه يسعه , فالقرآن ليس
فيه مجمل نحتاج إلى تفصيله إلا وفصله بقدر ما تقتضيه حاجة البشر , ولكنه فيه
مطلق لم يتقيد ليقيده أولياء الأمر حسب الحال والزمان والمكان , فإن قيل: لِمَ لا
نعتبر السنة تقييدًا لمطلقه بالنسبة للعالمين؟ قلت: لأن النبي لا يعلم حالة البشر في
جميع الأزمنة والأمكنة , وإن كان الله تعالى أعلمه بها فلِمَ لَمْ يقيد جميع مطلق
القرآن بالقرآن كما قيد بعض مطلقه فيه؟
والخلاصة: إن القرآن بيّن ومفصل تفصيلاً يفي بحاجة جميع البشر بدون
احتياج إلى شيء سواه , ولذلك لم يصفه الله تعالى بالإجمال في موضع واحد
ووصفه بضده في مواضع كثيرة كما بينا ذلك فيما سبق. إذ لا يمكن أن يكون معنى
التبيين المذكور في الآية ما ذكر الأستاذ وإنما معناه الإظهار والتبليغ وعدم كتمان
شيء من الكتاب أو إخفائه عن العالمين كما ورد مثل ذلك المعنى في قوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ
ظُهُورِهِمْ (آل عمران: 187) ، وقوله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا
يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (المائدة: 15) ،