واللهِ لَلْموت الحسِّيُّ أعزُّ وأشرف، وأهنأ وأسعد ألْفَ مرَّة من هذه الحياة البئيسة الذَّليلة الشقيَّة التي يتجرَّع الناس فيها كلَّ يوم - بل كلَّ ساعة - غُصصًا وآلامًا دونها حَشْرجة الموت، وانْتِزاع الرُّوح من الجسم، مهما خَدَعْتم أنفسَكم بمظاهر الرِّياسة، ودجَلِ الزعامة، وظننْتُم بِغُروركم أنَّكم أحياء تستمتعون تَأْكلون وتشربون، وتكتبون وتخطبون، وتهتفون ويهتف لكم الهمَجُ والرِّعاع، فإنَّكم بِكُلِّ ذلك تَمُوتون موتًا جديدًا، ويَحْيا عدوُّكم بما يَغْتصب بِغَفلتِكم من قُوَاكم المادِّية والمعنويَّة، وأنتم في بِحار الجهالة بِسُنن الله الكونية غارقون.
وإنِّي وكُلَّ مسلم يَقِظ يحسُّ الآلام، ويشعر وخْزَ هذه السِّهام - لَراجٍ من الله أحَرَّ الرَّجاء أن يَجْعل في هذه النَّكبات المتلاحقة، والضَّربات المتداركة، سببًا لِيَقَظة المسلمين من غفلتهم التي طال عليها الأمد، والأمَل في الله سبحانه عظيم، والآيات من اجتماع زُعَماء الدُّول العربية وقادة الرَّأي فيها، تُبَشِّر بقرب تحَقُّق هذا الأمل، والله مالك الملك يُؤْتِي المُلْك مَن يشاء، ويَنْزع الْمُلك مِمَّن يشاء، ويُعِزُّ مَن يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، بِيَدِه الْخَير، وهو على كلِّ شيء قدير،"وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" [آل عمران: 140] ، وفي كلِّ ما أصاب به الأُمَم الكافرة الظَّالِمة في هذه الحروب من الدَّمار: يجعلنا نتذكَّر ما هيَّأ الله به لِسَلفنا الصالح من أسباب عِزَّتِهم وتمكينهم العادل، بِتَطاحُن دولَتَيِ الفرس والرُّوم، حتى أهلكوا أنفسهم، ولا يزال الإسلام هو في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه، وفي سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي حفظها الله وصانَها، فهي بين أيدينا كما قالَها وأمَر بِها وعلَّمَها، وعَمِل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيانٌ للنَّاس وهُدًى وموعظة ورحمة وبشرى للمسلمين.