كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي . فنظرت أي الجبال أدنى من الأرض ، فصعدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتاً ، أو ترى أنيساً فسمعت صوتاً كالإنسان الذي يكذب سمعه حتى استيقنت ، فقالت: قد أسمعتني صوتك ، فأغثني ، فقد هلكت وهلك من معي . فجاء الملك بها ، حتى انتهى (بها) إلى زمزم . فضرب بقدمه ففارت ، فجعلت هاجر تفرغ من شنها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رحم الله أم إسماعيل! لو لا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً"وقال الملك لها: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد ، فإنما (هي) عين لشرب ضيفان الله . وقال لها: إن أبا هذا الغلام سيجيء ، فيبنيان لله (جل وعز) بيتاً ، ذا موضعه ، ثم ذهب ، وبقيت هاجر ، فأتت رفقة من جرهم تريد الشام ، فرأوا الطير على الجبل ، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء ، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء ؟ فقالوا: لا . ثم أشرفوا فإذا هم
بهاجر وابنها ، فأتوها ، فطلبوا أن ينزلوا عندها ، فأذنت لهم ، فسكنوا عندها . ثم أتتها المنية فماتت ، رحمة الله عليها ، فتزوج إسماعيل امرأة من جُرْهم ، ثم كان من قصة إبراهيم في إتيانه إلى (بناء) البيت ما ذكر الله (عز وجل) .
وقد تقدم منه ذكر (كثير) في البقرة . ومعنى: {بَيْتِكَ المحرم} : أي: المحرم من استحلال حرمات الله (تعالى) فيه ، والاستخفاف بحقه.
وقوله: {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوى إِلَيْهِمْ} : أي: اجعل قلوب بعض خلقك تنزع إليهم ، فلذلك قلوب الناس إلى الآن تنزع إلى الحج ، ولا تقدر على التخلف .
وقد قال ابن جبير: لو قال: فاجعل أفئدة الناس/ تهوي إليهم ، لحجت اليهود والنصارى ، والمجوس ، ولكنه قال: {أَفْئِدَةً مِّنَ الناس} فحج المسلمون.
قال مجاهد (رحمه الله) : لو قال أفئدة الناس ، لازدحمت عليه فارس ، والروم ، ولكنه قال: من الناس.
والأفئدة جمع فؤاد ، وهو القلب ، وسمي القلب فؤاداً لتفاؤده: