وفي قوله: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ...) إلى آخر ما ذكر: دلالة لزوم النظر والاستدلال، ولزوم القياس، ودلالة لزوم العقوبة؛ وإن كان لم يعلموا به؛ بعد أن مكنوا من العلم به.
أما دلالة النظر والاستدلال: هو قوله: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) : فهلا نظرتم ما حلَّ بهم من تكذيبهم الرسل؛ واتعظتم به.
ودلالة القياس: هو ما خوفهم أن ينزل بهم ما نزل بأُولَئِكَ؛ لأنهم اشتركوا في المعنى الذي نزل بأُولَئِكَ؛ ما نزل وهو تكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) : أي: (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) ؛ ما لو تفكرتم فيها ونظرتم ثم لكان ذلك لكم موعظة وزجزا عن مثل صنيعكم. أو يقول: وضربنا لكم الأمثال: أي: قد بينّا لكم الأمثال والأشباه ما يعرفكم؛ لو تأملتم أن أُولَئِكَ لكم أشباه وأمثال، وصنيعهم لصنيعكم أشباه وأمثال؛ فينزل بكم ما نزل بهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)
مكروا، واحتالوا على إهلاك الرسل وقتلهم؛ كقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ...) الآية، وكيدهم الذي ذكر - في غير آي من القرآن - برسل اللَّه؛ حتى قال الرسل فيكيدوني جميعًا، ومكروا أيضًا بدين اللَّه الذي أتت به الرسل، مكروا
واحتالوا على إطفاء ذلك النور؛ فأبى اللَّه ذلك عليهم، وأظهر دينه، وأبقى نوره إلى يوم القيامة، كقوله: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) كأن مكرهم وحيلهم يرجع - في أحد التأويلين - إلى أنفس الرسل حين هموا وتعمدوا إهلاكهم.
والثاني: يرجع إلى إطفاء الدِّين؛ الذي أتى به الرسل؛ والنور الذي دعوا إليه.