وقَالَ بَعْضُهُمْ: في قوله: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) : أي: تنزع قلوبهم؛ حتى صارت في حناجرهم؛ فلا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أماكنها؛ لشدة هول ذلك اليوم وفزعهم عليه، وهو على التمثيل والكناية؛ كقولهم: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ...) لشدة خوفهم، وهو على التمثيل؛ إذ لا يحتمل بلوغ القلوب الحناجر في الدنيا حقيقة؛ إذ لو بلغت ذلك لخرجت فماتوا، إذ الدنيا يحتمل الموت فيها، فدل أن ذلك على التمثيل لشدّة خوفهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ...(45) بتكذيبهم الرسل.
وتأويله - واللَّه أعلم -: أنهم كانوا يطلبون من ربهم الرد إلى حال الأمن؛ ليجيبوا بقولهم: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) ؛ واللَّه أعلم، فقال: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بتكذيبهم الرسل أي: سكنتم في الدنيا في مثل منازلهم ومساكنهم؛ فرأيتم ما نزل بأُولَئِكَ الذين صنعوا مثل صنيعكم.
وذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ) من التعذيب والاستئصال ثم لم يتعظوا بما حل بهم، فعلى ذلك إذا رددتم إلى حال الأمن لا تتعظون بما حل بكم في هذه الحال، وهو ما قال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فيما يقولون: إنهم يجيبون دعوته، هذا - واللَّه أعلم - تأويله.
وقال بعض أهل التأويل: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) : أي: عملتم مثل أعمالهم، (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ) من الاستئصال بالتكذيب؛ بتكذيبهم الرسل؛ فلم تتعظوا بذلك؛ فلا تتعظون بهذا أيضًا إذا رددتم. واللَّه أعلم.