ولقد كان إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - الذي كان أبوه صانع أصنام، والذي ابتدأ حياته بِحَطْم الأصنامِ، والذي قال: (وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذَا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ. . .) .
كان إبراهيم أشد الناس بغضا للأصنام وإدراكًا لضلال من يعبدونها؛ ولذا قال مؤكدا:
(رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ...(36)
أسند الإضلال إلى الأحجار، مع أن الإضلال هو من الشيطان الذي ابتدع الأوهام حولها؛ وذلك لأنهم لما عبدوها وأحاطوها بأوهام كثيرة وصار الوهم يولد وهما وتوالت وتكاثرت، وكلها حولها صح إسناد الإضلال إليها، وعبر إبراهيم عليه السلام عن الذين ضلوا بها بأنهم كثير، وليسوا عددا قليلا، وذلك لعموم الضلال بها، وعمومه لَا يجعلها حقا، بل هي باطل، (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(116) .
وإن ذكر ضلال الأوثان على لسان إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وهم يتشرفون بنسبتهم إليه وهو باني الحرم الشريف المقدس، فيه بيان أنه بريء منهم ما داموا يعبدون الأوثان؛ ولذا قال عليه السلام في دعائه: (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّه مِنِّي) ملة إبراهيم هي التوحيد،