فما دَعَوناكم من عند أنفسنا، ولا دَعَوناكم طلبًا لرياسةٍ ولا متاعِ الدنيا، ونحن نعلمُ يقينًا أنكم ستُعلِنون علينا حربًا شعواءَ، فافعلوا ما شئتم؛ فإننا ماضون في دعوتِنا بصبرٍ وعزيمةٍ، على الله توكُّلُنا، وبه ثقتُنا في نصرِنا وخِذلانِكم، وإنقاذِ مَن يشاءُ من عباده من دَجَلِكم.
• {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} [إبراهيم: 11، 12] .
وإذا كنَّا نحن نَدعُو المؤمنينَ، ونأمرُهم أن يتوكَّلوا على اللهِ وحدَه؛ فأَولَى بنا ألا نتوكَّل إلا عليه، وأيُّ عذرٍ لنا ألا نتوكَّل عليه - سبحانه - والحالُ أنه قد هدانا، ونوَّر لنا سبلَنا في الحياة الدينيةِ والدنيويةِ والأخروية، فلا نَخطُو خطوةً إلا على بينةٍ ونورٍ من الله، ولا نضلُّ ولا نَشقَى، فمهما خوَّفتمونا، فلن نخافَكم، ولن نسكتَ عن تبليغِ رسالةِ ربِّنا.
• {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] .
وعلى اللهِ القويِّ العزيزِ، القاهرِ فوق عباده، الحكيمِ الخبيرِ، مدبِّرِ الأمرِ كلِّه من السماءِ إلى الأرضِ؛ فليتوكَّل مَن يريدُ أن يتَّخذه وكيلاً قويًّا، يستدفع أذى المجرِمين، وليتوكَّل مَن يريد أن يتَّخِذه وكيلاً، يستمد منه العونَ والقوةَ والحمايةَ على أداءِ واجبِه في هذه الحياةِ، ومَن يعمل لإصلاحِ ما أفسد الناسُ من العقائدِ وشؤونِ الدنيا والدينِ.
فإذا ما عَرَف اللهَ، واعتَمَد عليه، وأَخلَص في خدمتِه، وصَدَق معه على علمٍ ونورٍ، مقتفيًا آثارَ رسلِه، مهتديًا بهداهم؛ فإنه عندئذٍ لا يَخَافُ إلا الله، ولا يَخشَى أحدًا من الناس، ويَصدَع بالحقِّ في شجاعةٍ وقوَّة وحكمةٍ، واللهُ معه يتولاَّه بمعونتِه وهدايتِه، ويَحمِيه بقوَّته، وينصرُه بعزَّته، ويَجعَل له أحسنَ العُقبَى في الآخرةِ والأولى.