هذا بعد ذلك بحين ، ووحد عليه السلام الضمير في {رَبّ} وإن كان عقيب ذكر الولدين لما أن نعمة الهبة فائضة عليه عليه السلام خاصة وهما من النعم لا من المنعم عليهم.
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ}
معدلاً لها فهو مجاز من أقمت العود إذا قومته ، وأراد بهذا الدعاء الديمومة على ذلك ، وجوز بعضهم أن يكون المعنى مواظباً عليها ، وبعض عظماء العلماء أخذ الأمرين في تفسير ذلك على أن الثاني قيد للأول مأخوذ من صيغة الاسم والعدول عن الفعل كما أن الأول مأخوذ من موضوعه على ماق يل ، فلا يلزم استعمال اللفظ في معنيين مجازيين ، وتوحيد ضمير المتكلم مع شمول دعوته عليه السلام لذريته أيضاً حيث قال: {وَمِن ذُرّيَتِى} للإشعار بأنه المقتدى في ذلك وذريته أتباع له فإن ذكرهم بطريق الاستطراد {وَمِنْ} للتبعيض ، والعطف كما قال أبو البقاء على مفعول {اجعل} [إبراهيم: 35] الأول أي ومن ذريتي مقيم الصلاة.
وفي"الحواشي الشهابية"أن الجار والمجرور في الحقيقة صفة للمعطوف على ذلك أي وبعضاً من ذريتي ولولا هذا التقدير كان ركيكاً ، وإنما خص عليه السلام هذا الدعاء ببعض ذريته لعلمه من جهته تعالى أن بعضاً منهم لا يكون مقيم الصلاة بأن يكون كافراً أو مؤمناً لا يصلي ، وجوز أن يكون علم من استقرائه عادة الله تعالى في الأمم الماضية أن يكون في ذريته من لا يقيمها وهذا كقوله: {واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} [البقرة: 128] .
{رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء} ظاهره دعائي هذا المتعلق بجعلي وجعل بعض ذريتي مقيمي الصلاة ولذلك جئ بضمير الجماعة ، وقيل: الدعاء بمعنى العبادة أي تقبل عبادتي.
وتعقب بأن الأنسب أن يقال فيه دعاءنا حينئذٍ.
وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، وهبيرة عن حفص {دُعَائِى} بياء ساكنة في الوصل ، وفي رواية البزي عن ابن كثير أنه يصل ويقف بياء.