ولما كان إتيان الولد له في سن لا يولد فيه لمثله ، وجميع ما دعا به من الخوارق فوجوده لا يكاد يصدق ، أشار إلى ذلك بتأكيد قوله: {إن ربي} أي المحسن إليّ {لسميع الدعاء} أي من شأنه إجابة الدعاء على الوجه الأبلغ تعريضاً بالأنداد وإشارة إلى ما تضمنه تأسفه على العقم ، فقد تقدم في سورة البقرة عن التوراة أنه لما خلّص ابن أخيه لوطاً من الأسر قال له الله: يا إبراهيم! أنا أكانفك وأساعدك لأن ثوابك قد جزل ، فقال إبرم: اللهم ربي! ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسل ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب: لا يرثك هذا ، بل ابنك الذي يخرج من صلبك فهو يرثك ، وقال له: انظر إلى السماء وأحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها ، فكذلك تكون ذريتك ، فآمن إبرم بالله.
ولما تم الحمد على النعمة بعد الدعاء بالتخلي من منافي السعادة وختمه بالحمد على إجابة الدعاء ، انتهز الفرصة في إتباعه الدعاء بالتحلي بحلية العبادة التي أخبر أنها قصده بإسكانه من ذريته ثم إقامتها ، إشارة إلى صعوبتها على النفس إلا بمعونة الله فقال: {رب} أي أيها الموجد لي المالك لأمري {اجعلني مقيم الصلاة} أي هذا النوع الدال على غاية الخضوع ، دائم الإقامة لها ، وكأن الله تعالى أعلمه بأنه يكون من ذريته من يكفر فقال أدباً: {ومن ذريتي} .
ولما كانت أعظم الأركان بعد الإيمان ، أفراد الضمير للدعاء بها متملقاً لله تعالى بما عليه من النعم التي لم ينعمها على أحد كان في ذلك الزمان غيره ، كما أشار إلى ذلك باسم الرب ، ثم زاد في التضرع بقوله: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا ، وجمع الضمير المضاف إليه بالنظر إلى من تبعه من ذريته لأن ما بعده كلام آخر ، أي رب وربَّ مّن وفقته بتربيتك وإحسانك لإقامة الصلاة من ذريتي {وتقبل دعاء} كله بذلك وغيره ، بأن تجعله مقبولاً جعلَ من كأنه راغب فيه مفتن به.