قال في الكشف: والتفصي عن ذلك إما بأن المسؤول أولاً: صلوحه للسكنى بأن يؤمن فيه أهله في أكثر الأحوال على المستمر في البلاد فقد كان غير صالح لها بوجه على ما هو المشهور في القصة ، وثانياً: إزالة خوف عرض كما يعتري البلاد الآمنة أحياناً ، وأما بالحمل على الاستدامة وتنزيله منزلة العاري عنه مبالغة أو بأن أحدهما أمن الدنيا والآخر أمن الآخرة أو أن الدعاء الثاني صدر قبل استجابة الأول ، وذكر بهذه العبارة إيماء إلى أن المسؤول الحقيقي هو الأمن والبلدية توطئة لا أنه بعد الاستجابة عراه خوف ، وكأنه بنى الكلام على الترقي فطلب أولاً أن يكون بلد آمناً من جملة البلاد التي هي كذلك ، ثم لتأكيد الطلب جعله مخوفاً حقيقة فطلب الأمن لأن دعاء المضطر أقرب إلى الإجابة ولذا ذيله عليه السلام بقوله: {إِنَّى أَسْكَنتُ} [إبراهيم: 37] الخ اهـ.
وهو مبني على تعدد السؤال وإن حمل على وحدته وتكرير الحكاية كما استظهره بعضهم ، واستظهر آخرون الأول لتغاير التعبير في المحلين ، فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين وقد حكى أولاً ، واقتصر ههنا على حكاية سؤال الأمن لأن سؤال البلدية قد حكى بقوله: {فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] إذ المسؤول هويها إليهم للمساكنة كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا للحج فقط وهو عين سؤال البلدية وقد حكى بعبارة أخرى على ما اختاره بعض الأجلة أو لأن نعمة الأمن أدخل في استيجاب الشكر فذكره أنسب بمقام تقريع الكفرة على إغفاله على ما قيل ، وهذه الآية وما تلاها أعني قصة إبراهيم عليه السلام على ما نص عليه صاحب الكشف واردة على سبيل الاعتراض مقررة لما حث عليه من الشكر بالإيمان والعمل الصالح وزجر عنه من مقابلهما مدمجاً فيها دعوة هؤلاء النافرين بلسان اللطف والتقريب مؤكدة لجميع ما سلف أشد التأكيد.