{رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ} متوجّهين إليه متبرّكين به ، وهو متعلقٌ بأسكنتُ وتخصيصُها بالذكر من بين سائر شعائرِ الدينِ لفضلها ، وتكريرُ النداءِ وتوسيطُه لإظهار كمالِ العنايةِ بإقامة الصلاةِ والاهتمامِ بعرضِ أن الغرضَ من إسكانهم بذلك الوادي البلقعِ ذلك المقصدُ الأقصى والمطلب الأسنى ، وكلُّ ذلك لتمهيد مبادئ إجابة دعائِه وإعطاء مسؤولِه الذين لا يتسنى ذلك المرامُ إلا به ، ولذلك أُدخل عليه الفاء فقال: {فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس} أي أفئدةً من أفئدتهم ، فمن للتبعيض ، ولذلك قيل: لو قال: أفئدةَ الناسِ لازدحمت عليهم فارسُ والروم ، وأما ما زيد عليه من قولهم: ولَحجّت اليهودُ والنصارى فغيرُ مناسب للمقام إذ المسؤولُ توجيهُ القلوب إليهم للمساكنة معهم لا توجيهُها إلى البيت للحج ، وإلا لقيل: تهوي إليه ، فإنه عينُ الدعاء بالبلدية قد حكي بعبارة أخرى كما مر ، أو لابتداء الغاية كقولك: القلبُ منّي سقيمٌ أي أفئدةَ ناسٍ ، وقرئ آفدةً على القلب كآدر في أدؤر أو على أنه اسم فاعل من أفدت الرحلة أي عجِلت أي جماعةً من الناس وأفِدَةً بطرح الهمزة من الأفئدة أو على النعت من أفد {تَهْوِى إِلَيْهِمْ} تسرع إليهم شوقاً ووِداداً ، وقرئ على البناء للمفعول من أهواه غيرُه وتهوى من باب علم أي تحبّ ، وتعديته بإلى لتضمُّنه معنى الشوقِ والنزوعِ وأولُ آثارِ هذه الدعوة ما روي أنه مرت رِفقةٌ من جُرهُم تريد الشامَ فرأوا الطيرَ تحوم على الجبل فقالوا: إن هذا الطائر لعائف على الماء فأشرفوا فإذا هم بهاجرَ ، فقالوا لها: إن شئت كنا معك وآنسناك والماءُ ماؤك فأذِنت لهم وكانوا معها إلى أن شبّ إسماعيلُ عليه السلام وماتت هاجرُ فتزوج إسماعيلُ منهم كما هو المشهور.