الأمن أدخلُ في استيجاب الشكر فذِكرُه أنسبُ بمقام تقريعِ الكفرة على إغفاله كما قيل بل لأن سؤال البلدية قد حكي بقوله تعالى: {فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ} إذ المسؤولُ هُوِيّتُها إليهم للمساكنة معهم لا للحج فقط وهو عينُ سؤال البلدية قد حكي بعبارة أخرى وكان ذلك أولَ ما قدِم عليه السلام مكةَ ، كما روى سعيدُ بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام لما أسكن إسماعيلَ وهاجرَ هناك وعاد متوجهاً إلى الشام تبِعتْه هاجرُ وجعلت تقول: إلى من تكِلُنا في هذا البلقع؟ وهو لا يرد عليها جواباً حتى قالت: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم ، قالت: إذاً لا يضيّعنا فرضِيَت ، ومضى حتى إذا استوى على ثنية كَداء أقبل على الوادي فقال:
{رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ} الآية ، وإنما فصل ما بينهما تثنية للامتنان وإيذاناً بأن كلاًّ منهما نعمةٌ جليلةٌ مستتبعة لشكر كثير في قصة البقرة.
{واجنبنى وَبَنِيَّ} بعِّدني وإياهم {أَن نَّعْبُدَ الأصنام} واجعلنا منها في جانب بعيد أي ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام ، وقرئ وأجنبْني من الإفعال ، وهما لغةُ أهلِ نجد ، يقولون: جنّبني شرَّه وأجنبْني شرَّه ، وأما أهلُ الحجاز فيقولون: جنّبني شره وفيه دليل على أن عصمةَ الأنبياء عليهم السلام بتوفيق الله تعالى ، والظاهرُ أن المراد ببنيه أولادُ الصلبية فلا احتجاجَ به لابن عيينة رضي الله عنه على أن أحداً من أولاد إسماعيلَ عليه السلام لم يعبُد الصنم وإنما كان لكل قومٍ حجرٌ نصبوه ، وقالوا: هو حجرٌ والبيتُ حجر ، فكانوا يدورون به ويسمونه الدوار ، فاستُحب أن يقال: طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت ، وليت شعري كيف ذهب عليه ما في القرآن العظيم من قوارعَ تنعي على قريش عبادةَ الأصنام على أن فيما ذكره كرٌّ على ما فر منه.
{رَبّ إِنَّهُنَّ}