قال الله تعالى: {كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} [الأعراف: 29 - 30] ، ثم قال: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ} [الأعراف: 178] ، وقال: {وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً} [الكهف: 17] ، وقال: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ} [الزمر: 36 - 37] فبيّن بذلك وأمثاله أنّ الضّالّ من أضلّه الله، وأنّه لا هادي له وأنّ المهتدي من هداه وأنّه لا مضلّ له فهذا تنزيل يزيل الريب والشبهة ويبطل ما يلبّس به القدرية والملحدة، وقد أخبر سبحانه أنّ الإضلال منه ما وصفناه من الطبع
الختم على القلوب وتغشية الأبصار وتقليب القلوب والحول بين المرء وقلبه، وغير ذلك ممّا عددناه، وخبّر تعالى أنّ إضلال الشياطين إنّما هي الوسوسة والتزيين والتسويل للنّفس، ووعد الشرّ، وأمثال ذلك.
قال الله تعالى: {إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] ، وقال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} فأخبر أنه يوسوس في صدور الناس، وقال: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً} [النساء: 120] ، وقال: {الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ} [البقرة: 268] ، وقال: {الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ} [محمد: 25] .
والشيطان يضلّ على وجهين:
أحدهما: الدعوة إلى الضلال والوعد والتزيين للباطل.
والآخر: الوسوسة، وقد ورد عن الرسول تصديق ذلك والإقرار به، فروى عبد الله بن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأمّا لمّة الشيطان إيعاد بالشرّ وتكذيب بالحق، وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئا فليعلم أنّه من الله وليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، ثمّ قرأ عليه السلام: {الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268] » .