وروى أنس بن مالك عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إنّ الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي الله التقم قلبه» ، وروي عن عبد الله بن عباس أنّه قال: «إنّما سمي الشيطان
الوسواس الخناس لأنّه خاتم على القلب، فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكر وسوس»، في روايات كثيرة في هذا المعنى، من نحو قوله: «إنّ الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم» ، وقوله: «ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قالوا ولا أنت يا رسول الله، قال ولا أنا، ولكن الله يعينني عليه» ، وفي رواية أخرى: «ولكن أعان الله عليه» وأمثال هذا، فهذا القدر من الإضلال هو الذي إلى الشيطان، وهذه الوسوسة هي تزيين وحديث وكلام خفي لا يسمعه الموسوس له، ثم يعتقده إن لم يعصم ويوفق ويعان، وليست شيئا يفعلها الشيطان في قلب ابن آدم لأنّه لا قدرة له، ولا لأحد من الخلق على أن يفعل شيئا في غير محل قدرته من قلب آدمي وغيره من الأماكن والمحال.
وأمّا إضلال المجرمين، فقد أخبر الله تعالى، أنه هو دعاؤهم إلى الضلال وإلباسهم في الدين في غير موضع من كتابه، قال تعالى: {وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} [الشعراء: 99] يعني: الذين نصبوا الأصنام وعبدوها وسنّوا ذلك ودعوا إليه، وقال تعالى: {قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ} [ص: 61] ، يريدون من قدّم لنا الدعوة إلى ذلك وأمر به، وقالوا: {رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} [فصلت: 29] .
وقد تظاهرت الروايات بأنّ المضلّ من الجن إبليس، والمضلّ من الإنس ابن آدم الذي قتل أخاه.