وأما الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى الكفّار والمجرمين فهو الدعوة إلى الضلال، وتزيينه وإيراد الشبهة فيه، وليس ذلك من خلق شيء في القلوب بسبيل، وأما الإضلال المضاف إلى فرعون والسامريّ خاصة ومن جرى مجراهم فهو إلباسهم في الدين ومكرهم بأهله، وحيلهم التي نصبوها لإيقاع الشبه في الحق، وليس ذلك من خلق الضلال في القلوب في شيء .
وأمّا الإضلال المضاف إلى إبليس والشياطين فقد يكون أيضا بمعنى الدعوة إلى الضلال، ويكون الوسوسة في الصدور، وحديث النفس بما جعل لهم من السلطان على هذه الوسوسة وعلى سلوك بني آدم وختومه على قلوبهم، فهذا ممّا يختصّ به الشياطين دون سائر الخلق، وكلّ هذه التفاسير في الإضلال التي نزّلناها قد ورد به الأخبار والقرآن على ما سنذكر جملة منه، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن من إضافة الإضلال إلى نفسه تعالى
وإلى جميع من ذكر من خلقه منافاة ولا مناقضة على ما يظنّه الملحدون ومن تابعهم من القدريّة والمتحيّرين في مذاهبهم من أهل الملّة، فبان بهذه الجملة أن الله تعالى لم يجعل إلى أحد من خلقه إضلال أحد، وإن جعل له القدرة على هذه الأسباب التي ذكرناها، ولو قدر إبليس والشياطين والمجرمون على إضلال أحد من الناس، وكان ذلك إليهم وفي أيديهم لأضلّوا الأنبياء وسائر المؤمنين، وكل من آثروا إضلاله وحاولوا الإلباس عليه في دينه، ولمّا لم يكن ذلك كذلك؛ ثبت أنّ الإضلال الذي أضافه تعالى إلى نفسه لم يجعل لأحد من خلقه إليه سبيلا، ولا عليه سلطانا.
وكذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وخلق إبليس مزينا وليس له من الضلالة شيء » ، وقد قال الله تصديقا لهذه الرواية ولما قلناه: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} [الإسراء: 65، الحجر: 42] ، وقال: {وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} [فصلت: 25] ، وقال: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً} [النساء: 76] فأخبر أنّ القرناء إنّما إليهم التزيين فقط، وأنّهم إنّما ضلوا بما حقّ عليهم من القول والقسمة لجهنم.